>

العودة   منتدى بريدة > المنتديات الأدبية > ديوانية الشعر والأدب

ديوانية الشعر والأدب كل مايتعلق بالشعر والأدب من نظم الكاتب أو من منقوله

إضافة رد
 
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
 
قديم 16-10-17, 03:18 am   رقم المشاركة : 1
عبدالله السيف
عضو جديد





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة : عبدالله السيف غير متواجد حالياً
الجسر....


الجسر
قصة قصيرة
رفيق موسى عفانة


وقف مرتضى طويلا أمام مدخل شركة المقاولات وتسمرت عيناه على اليافطة المعلقة
فلم يتمالك نفسه من أن يذرف دمعة فرح وهو ينقل عينيه بين اليافطة والإعلان المنشور في الصحيفة ،
ثم مد يده الخشنة ليمسح دمعته ،
فتذكر على الفور ذلك اليوم البعيد الذي تسلل فيهم من مقر الشركة بأقصى سرعة وكأنه أتى عملا مشينا
يريد أن ينجو من آثاره ،
انطلق وسط الزحام كسير البال ، محطم النفس ،
وأخذ يسير متخبطا في شوارع المدينة وأزقتها هربا من تلك القهقهات الناشزة
وذلك الصوت الساخر الذي ما برح يلاحقه ويصم أذنيه :
- عجيب أمرك أيها الشاب لا تعرف القراءة والكتابة وتجد في نفسك الجرأة لتسأل عن وظيفة في شركة مرموقة هاهاه .
تابع الشاب المطعون بكرامته سيره على غير هدى والصوت لا ينفك يطارده حتى لكأن جميع حواسه انضغطت في حاسة السمع وحدها
فلم يعد يبصر أو يحس بما يدور حوله .
ظل ماشيا ولكن إلى أين إلى أين .
لقد بحث كثيرا وفتش طويلا وحاول جاهدا في كل مكان أن يجد وظيفة تريحه من العمل المتقطع المضني ،
لكن دون جدوى لم يجد سوى القهقهات الصاخبة والكلمات الجارحة والسخرية التي لا تُحتمَل ،
فإلى أين يتجه وإلى أي مكان يلتجئ .
بدأ حسابه مع نفسه إذ تفجرت في رأسه التساؤلات فأخذ يصرخ ، قائلا :
- من المسؤول عما أنا فيه أيكون والدي ؟ بالطبع لا ، فوالدي مات وأنا صغير السن . لِمَ لا تكون والدتي ؟ لكنها توفت بعد وفاة أبي بسنتين .
من المسؤول إذن من المسؤول ؟!
بقيت خطواته تتخبط بلا هدف تنشده إلى أن أعياه التعب وهده الضياع فألقى بنفسه إلى ظل جدار أحدى البنايات ،
راح يجتر خيبة أمله وقلة حيلته حتى داهمه النعاس وساقه قسرا إلى نوم عميق
فتلقته الأحلام في الحال وهدهدته في حضنها
فرأى فيما يرى النائم أنه يسير في بطء شديد بمحاذاة نهر عظيم
ينساب ماؤه بغزارة بين غابات تشابكت أشجارها حتى غدت قطعة من ليل ،
واستوحشت حيواناتها حتى بات الموت يقطر من أنيابها فاستشعر الخوف كله وراح يبحث عن ملجأ يلوذ به
فأبصر عن بُعد جسرا خشبيا يصل ضفتي النهر وإذا به يجري بكل قوته حتى وصل رأس الجسر
وأمعن النظر في الضفة الأخرى فبهره جمال أشجارها المتباعدة وأطربه صوت طيورها المغردة ،
فأيقن أنه عالم آخر غير اللذي هو فيه ،
لم يتردد في عبور الجسر وأخذ يجري بسرعة فوق خشباته ،
لكنه ما كاد يصل لمنتصفه حتى وطأت قدماه بعض الأخشاب المتهرئة ،
وإذا بها تتكسر وتنهار تحت قدميه وهوت إلى أسفلر فهوى معها ،
لكنه تشبث في آخر لحظة بأطراف الجزء الآخر من الجسر وبقي فترة من الوقت يتأرجح بين الجسر المتداعي والماء المتدفق بقوة
ولما كان لا يعرف السباحة فقد تملكه الخوف من السقوط حيث الموت المحقق
فراح يصرخ بأعلى صوته لعل أحدا يسمعه فيهب لنجدته ،
لكنه سرعان ما أدرك أنه وحيد فكف عن الصراخ وأعمل التفكير
وقال لنفسه :
- أنا ونفسي فإما أن أستسلم للقدر المحتوم وإما أن أصعد ثانية .
لم يكن الوقت يسمح للتفكير أكثر حيث تعبت يداه وزادت أنّات الخشب المتداعي فاستجمع كل قوته وضغط جسمه بإرادة وتصميم
حتى استوى فوق الجسر ثم زحف باتجاه الضفة الجميلة وما أن وصل إلى نهايتها حتى فارقته الأحلام وتسلل النوم من جسمه ..
فرك عينيه ليتأكد أنه كان في حلم وليس إلا ،
ثم أطرق إلى الأرض لا يؤنسه في وحدته إلا الصمت ،، بقي كذلك إلى أن أسدل الليل ستائره وأنيرت شوارع المدينة ،
وظل هو قابعا في عتمة الجدار بعيدا عن النور .
لم يمضِ عليه وقت طويل حتى بدأ يسمع أصواتا وجلبة فأصغى ليتبين الامر ،
أدرك أن خلقا كثيرا يدخلون البناية التي توارى هو خلف جدرانها فدفعه الفضول ليطلع على ما يجري داخلها ،
لملم نفسه واتجه نحو المدخل ليراقب ،
فلاحظ أن كل من يدخل يحمل في يده حقيبة ، ظن أن هؤلاء موظفو شركات تعمل في الليل لذلك قرر الدخول ليسأل مجددا عن عمل .
دلف بتردد وسأل كل من مر به عن غرفة المدير حتى دله أحدهم عليها ،
دخل الغرفة مطأطئ الرأس كعادته في مثل هذه الأحوال ولما وقف أمام المدير رفع رأسه قليلا
فوقعت عيناه على رجل ذي ملامح وقورة . لبث صامتا لم يتفوه ببنت شفة
فحدق به الرجل ثم قال مبتسما :
- ما بالك لا تلقي التحية ؟
فتمتم مرتضى ببعض كلمات غير مفهومة جعلت الرجل في حيرة من أمره فقام من مقعده واقترب منه قائلا :
- هل من مساعدة أقدمها لك ؟
فأجاب بصوت متهدج النبرات :
- أريد وظيفة ،، أية وظيفة كانت .
ضحك الرجل ضحكة مجلجلة وقال مداعبا :
- لِمَ لا تجلس مكاني ؟
تراجع مرتضى للوراء مسرعا وهمَّ بالخروج فاستوقفه الرجل قائلا :
- مهلا أيها الشاب لم أقصد إهانتك إنما كنت أمازحك لغرابة طلبك .
فرد عليه الشاب بعد أن أحس بصدق اعتذاره :
- أيها السيد إن من هم في مثل وضعي لا تجوز معهم المداعبة ، فلقد لقيت من السخرية ما تنوء بحمله الجبال لذلك لم أعد أميز بين المزاح والجد ، وأرجو ألا تآخذني .
تبسم الرجل بصفاء وقال له :
- تفضل بالجلوس لنرى ما نستطيع فعله .
جلس وهو يحس بشيء من الراحة محدثا نفسه :
- ما أشد تواضع هذا المدير ليتني أعمل معه .
بعد لحظة صمت قال مرتضى :
- إنني شاب قوي كما ترى ، لكن الأعمال الشاقة التي لا أكسب قوتي إلا عن طريقها هدت قواي وافقدتني الراحة هذا عدا انقطاعها فربما أعمل يوما وأنتظر يومين ، ذلك ما دفعني للبحث جاهدا عن وظيفة دائمة مهما كان نوعها ، مشكلتي أني لم أحظَ إلا بالسخرية والتهكم فتملكني اليأس ولم أعد أبصر طريقي .

شخص إليه المدير وقال في دهشة :
- عجيب ما أسمع هل يسخر الناس من رجل يبحث عن عمل ؟!
فهز رأسه وقال معقبا :
- لو علمتَ ما أنا عليه لسخرت مثلهم .
قال بحزم :
- إني أراك لا تختلف عن غيرك فلماذا يسخرون !؟
فزفر المسكين بمرارة وهمس بأسى :
- إنني أُميّ لا أتقن القراءة والكتابة فما يكاد من أسأله يعلم بهذه الحقيقة حتى يُسْمعني من الكلام ما يجعلني أخجل من نفسي .
صمت مرتضى وصمت المدير ، كان كل واحد منهما يفكر في شيء ، ثم قطع الرجل حبل الصمت قائلا :
- الآن فهمت ، أنت دخلت هذا المكان وفي ظنك أن المبنى مقر لأحدى الشركات فرُحت تسألني عن شغل لك .
رد المنكود
- أجل أعتقدت هذا وإلا ما دخلتُ.
نظر إليه ذي الملامح الوقورة نظرة ملؤها الشفقة ثم أردف قائلا :
- أنت شاب والايام أمامك ، اجعل لك هدفا تسعى لتحقيقه عند ذلك تهون كل المشقات .
فتساءل :
- وأي هدف يُرتجى لمن هو مثلي ؟
تطلع إليه في غضب ثم قال :
- لِمَ لا تجعل التعليم هدفك ؟؟؟
برم بحديث المدير وردد ساخرا من نفسه :
- أتعلمُ ! وأنا في هذه السن ؟؟؟ !!!
فصرخ في وجهه :
- أجل تتعلم فالعلم ليس له عمر محدد ثم أنك لستَ كبيرا في السن حتى تقول ذلك .
هبَّ المدير واقفا متجها صوب الباب وهو يقول :
- تعال معي لترى بنفسك صدق قولي .
اتجه على الفور نحو الغرفة المجاورة ومرتضى في أثره ، تقدم نحو الباب وطرقه ثم استأذن بالدخول ومعه الشاب المسكين وهو يقول له :
- انظر إلى هؤلاء الرجال هل فيهم من هو أصغر منك عمرا ؟
فأجابه بعد أن جال ببصره في الوجوه التي تملأ الغرفة :
- لا أظن هذا .
قال له :
- كل هؤلاء الذين أمامك يتعلمون ألا ترى كتبهم وكراساتهم ، ألا ترى المعلم ؟ إنه يشرح لهم ، انظر ..
أدرك مرتضى حينها أنه يقف في فصل دراسي في أحدى المدارس الليلية ثم نظر لمرافقه فأيقن أنه مدير هذه المدرسة .
قال بصوت مرتعش :
- وهل أستطيع أن أتعلم معهم ؟
رد عليه بغبطة :
- بالطبع تستطيع ومتى شئت .
فدمعت عيناه وقال وهو يخرج من الفصل بصحبة الرجل :
- شكرا لك يا سيدي الطيب لقد عبرتَ بي الجسر ونقلتَني إلى تلك الضفة الجميلة .
دارت الأيام دورتها ومرتضى يعمل باليومية نهارا ويتابع تحصيله العلمي ليلا فارتقى سلم النجاح درجة أثر درجة إلى أن أنهى الثانوية فلم يكتفِ بها بل استمر في درب العلم حتى حصل على شهادة جامعية وتخرج محاسبا بتقدير ممتاز ..
احتضن شهادته بكل حب وفخر منطلقا بها إلى مقر الشركة بعد أن قرأ الإعلان في الصحيفة تطلب فيه محاسبا للعمل لديها ،،
دخل الشركة وتابع طريقه الذي يعرفه جيدا لغرفة المدير وهناك وجد وجها غير الذي سخر منه قبل 15 عاما ،
فوقف شامخا بنفسه واثقا كل الثقة من امكانياته ثم قال بهدوء :
- جئتُ بخصوص الإعلان .
تأمله المدير قليلا ثم دعاه للجلوس وهو يقول له :
- يبدو ِأنك ذو خبرة طويلة .
ضحك متسائلا :
- وما أدراك ؟
أجابه بلهجة الواثق :
- أخبرَني بذلك تلك الشعيرات البيضاء التي تغزو مفرقك .
فهز رأسه وقال :
- ولكنني خريج جديد .
دُهِشَ الرجل وقال مستفسرا :
- وكيف ذلك ؟
فتنهد مرتضى طويلا ثم قال :
- إن لذلك قصة مؤلمة سأرويها لك فيما بعد ، أما الآن أقول لك باختصار ، سبق لي أن طُرِدتُ من هذه الشركة على يد سلفك وكنت يومها لا أحسن حتى كتابة اسمي ، أما الآن فأؤكد لك بثقة تامة إن لم ترضَ بي محاسبا في شركتكم فالأبواب كلها مشرعة أمامي .
تأمله بإكبار وقال له :
- وهل نجد رجلا يمتلك مثل إرادتك ؟؟؟
راح الاثنان بعد ذلك يملآن بعض الأوراق الخاصة بتعيين مرتضى بالمعلومات اللازمة وبينما هما كذلك إذ برجل رث الثياب حزين الملامح يلج عليهما المكتب فلم يلتفتا إليه في بادئ الامر إلى أن قال لهما بصوت مرتجف كسير النبرة :
- هل أجد وظيفة أي وظيفة كانت ؟
قال المدير :
- ماذا تحمل من شهادة ؟
- أحمل نفسي فأنا لا أعرف القراءة ولا الكتابة .
وقبل أن يصدمه رئيس الشركة برده ترك مرتضى الأوراق ونهض من مكانه ، أمسك بيد الرجل وقال موجها حديثه للمدير :
- هل تسمح لي بالتغيب لبعض الوقت ؟
رد عليه مستغربا :
- ولماذا ؟
فأجابه باعتزاز :
- سأعبر بهذا الرجل نفس الجسر الذي اجتزته أنا .
ثم خرج مسرعا مع الرجل وصوت المدير يلاحقه :
- لك هذا يا مرتضى ، لك هذا ، لكن لا تتأخر فالعمل بانتظارك ...


في داخل كل منا طاقة متحفزة للانطلاق ، لكن يبقى الامر مرهونا بنا كيف نستغلها لنعبر الجسر ...
عمق البحر


تمت







رد مع اقتباس
إضافة رد
مواقع النشر (المفضلة)
الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع
تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

الساعة الآن 09:15 pm



Ads Management Version 3.0.1 by Saeed Al-Atwi
موقع بريدة

المشاركات المنشورة لاتمثل رأي إدارة المنتدى ولايتحمل المنتدى أي مسؤلية حيالها

 

كلمات البحث : منتدى بريدة | بريده | بريدة | موقع بريدة