إشاعة الحقد
عبدالله بن محمد اللحيدان
معن الصانع انموذجا أدخل به الى موضوع مقالتي هذه، اذ استهدفت هذا الرمز الاقتصادي في بلادنا مؤخرا اشاعة رغم ان اي اشاعة تنال رجلا بحجم معن الصانع لن تتوجه الى شخصه فحسب، بل تتعداه الى محيط واسع مما له علاقة به، والعمل الخيري جزء لاينفك عن محيط اعمال هذا الرمز الاقتصادي للمملكة.
هذا المدخل الذي وجدت نفسي مجبرا للولوج لموضوعي من خلاله وفاء للرجل وان كانت لاتربطني به الا لقاءات مجالس الخير، والمحبة في الله وشفاعة الخير والبر للفقراء والمرضى فأسمع من المشفوع لهم مايسر الخاطر ويجبر المصاب فجزاه الله خير الجزاء.
مثل هذا الانموذج ونماذج اخرى تتعرض بين الحين والآخر لاشاعة بنشر خبر هنا او هناك يمس شخصها او مركزها تستهدف زعزعة الثقة فيها او التقليل من شأنها او اضعاف قوتها وتشويه صورتها، يوجب علينا الموقف والمسؤولية ان نبين ما للناس ما لايسع تجاهله منه.
ومن هنا نقول ان الاشاعة وان تعددت صورها وتناقل الناس الكلام عنها وخطرها على استقرار المجتمعات وسمعة الافراد بمقالات ومصنفات الا انني ارى ان من المجليات الواضحات لامر الاشاعة ومستواها من السوء له مؤشر ينبيك عنه اصل منطلقها وما ترمي الى تحقيقه من اهداف، ولذا فأسهل طريقة لكشف موضوع الاشاعة صحة او كذبا هو بالنظر الى من صدرت منه ومن هي متوجهة ضده وهدفها، فتعلم منها ما تعلمه من هذه الامور الثلاثة.
ومن هنا يوجب الحدث والحديث علينا الوقوف مليا عند قول المولى عزوجل (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين) (الحجرات:6) لنجد ان رادع الايمان هنا ينبغي ان يكون هو المانع للانسياق وراء دوافع السبق الصحفي او الخبر العاجل قبل رادع العقوبات والملاحقات القانونية، ولذلك صدر الله هذه الآية بنداء اهل الايمان عامة، ولذا فقد تجد التسابق لنشر الاشاعة ينتشر عند المجتمعات التي يضعف ايمانها وفي المواقع التي يقل حسها الايماني، واذ ان غالب ما ترتبط به الاشاعة الكذب والمؤمن يحذر الوقوع في الكذب كما قال تعالى (إنما يفتري الكذب الذين لايؤمنون) (النحل: 105) كان التصدير بالتنبه للتثبت موجها لاهل الايمان، ولذلك كان من صفات المنافقين التي تميزهم عن غيرهم الكذب كما جاء في الحديث المتفق عليه عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث وان صلى وصام وزعم انه مسلم: اذا حدث كذب، واذا وعد اخلف واذا اؤتمن خان.
فنصيحتي لنفسي ولكل من يهتم لشأن نفسه ومجتمعه ان نتقي الله فيما نصدره من اخبار والا ننقل الخبر من مصدره ونبثه الا وقد تأكد لنا صدقه، وعليه فترك نقل الخبر - وان غلب على الظن صدقه - ما لم نتأكد من صدقه، اولى من المسارعة في نقله، ولو خشينا ان يسبقنا احد الى نقله، او نفقد الأولية فيه، فقد روى الامام مسلم في صحيحه عن ابي هريرة رضي الله عنه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: كفى بالمرء كذبا ان يحدث بكل ما سمع، اي اذا لم يتثبت، لان كلام الناس يختلط فيه الكذب والصدق فلابد من التثبت عند النقل فلا ينقل الا صدقا ولذلك صح عنه صلى الله عليه وسلم انه قال: (بئس مطية الرجل زعموا). قال الخطابي في العالم السنن: (انما يقال زعموا) في حديث لا سند له ولاتثبت فيه، وانما هو شيء يحكى على الالسن على سبيل البلاغ، فذم صلى الله عليه وسلم من الحديث بما كان هذا سبيله وامر بالتثبت فيه والتوثق لما يحكيه من ذلك فلا يرويه حتى يكون معزوا الى ثبت ومرويا عن ثقة ولقد جاء التشنيع من الله على من تخلق بخلق عدم التروي في البث كما في قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به.. الآية) وقوله سبحانه: (إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم) الاشاعة وترويجها فلأن المرء محاسب عن كل ما يصدر عنه من قول وهو مكتوب عليه كما قال تعالى: (وما يلفظ من قول الا لديه رقيب عتيد) فليتذكر قول الحق سبحانه: (واعلموا ان الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) فالحذر الحذر مما حذرنا ربنا منه وشأنه سبحانه أنه (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).
ثم اننا كذلك لو راجعنا ما كتب عن الاشاعة في المصنفات المهتمة لوجدنا ان الكلام عن اشدها وطأة تلك التي يسمونها (اشاعة الحقد) ويقولون انها اخطرها وافتكها وهي التي تنبع من الكراهية لشخص او اشخاص لهم نفوذهم بغية الاضرار بهم، فكيف يستساغ لمجتمع مسلم ان يرعى نقل مثل هذه الاشاعة المنبوذة اصلا والممقوتة فصلا، عن اناس يستهدفون تعكير استقرار مجتمع بكامله باشاعة كاذبة، وان كان مرماهم الاصلي فيها شخصا او مجموعة من ذلك المجتمع فالحذر الحذر منهم واعمالهم وما يصدر منهم من انباء مكذوبة ومعلومات مغلوطة ومن اتهام البرئ بما ليس فيه والخوض في الاعراض اسأل الله ان يجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى ويصلح ذات بينهم وان يرد عنا شر الاشرار ومكيد الفجار ويحفظنا بحفظه ما تعاقب علينا الليل والنهار وان يجزل الاجر لاخينا معن الصانع وامثاله من رجال الخير في بلادنا والذين لا نعلم عنهم الا حبهم للخير والبذل فيه جعل الله ما يقدمونه في موازين اعمالهم.
مدير عام فرع وزارة الشئون الاسلامية والاوقاف والدعوة والارشاد بالمنطقة الشرقية