الاخ شديد الملاحظة دمت بخير
المثال الذي ضربته لك انما كان فقط للتمثيل , وهو مستحق لأن يكون دليلا لاقتياد الناس على وجه العموم على امر واحد وان كان في القول المخالف نوع من القوة , فما ادري على اي اساس تنفي ان يكون دليلا لما اقول , ثم ما ادري ايضا مالفرق ان اسميته مثالا او اسميته دليلا , مع انه دليل واضح وقد قال عليه الصلاة والسلام ( الحج عرفة ) , فمن راى الهلال قبل الناس ولم يقف معهم فلا حج له مع هذا الدليل .
فإن قلت ان الواجب عند الحكم على مسألة معينة ان تجمع الادلة حتى يظهر ما يخصص العموم ويفسر المبهم . قيل لك اجمع لنا ادلتك على مسألة هلال الحجة وخصص منها ما تريد وعمم منها ما تراه مخصوصا وفسر ما ابهم منها حتى تتضح المسألة ويقال لك : فعلا هذا الدليل لا يصلح لأن يكون حكما مطلقا .
حتى الاسباب الثلاثة التي ذكرتها انت ما دليلك عليها ؟
ثم ان كلامي هنا في الامور العامة التي تكون مفسدة الخلاف فيها اكبر من المصلحة , بشرط ان يكون هذا القول الذي الزم به الناس يعضده الدليل - وليس في الامور الخاصة , ولو رأيت طريقة الخلفاء الراشدين , في الزام الناس ببعض الاقوال لرأيت ان توجيه الناس على امر معين وان خولف فيه - هو الحق .
وقد سقت لك دليل هلال الحجة فناقشتني عن هلال رمضان مع انني بينت لك التفريق بينهما سابقا , وذكرت لك موضوع امضاء الطلاق ثلاثا وانا انتظر الجواب .
فإن اردت غير تلك الامثلة فأذكرك الزام ابي بكر للناس على قتال المرتدين مع وجود المخالف له , وكذا الزام عمر للناس في الحج ان يفردوا نسكهم , وكذا امر عثمان للناس ان يتموا الصلاة في منى وجواب ابن مسعود المشهور يكفي ايضا , وكذا منعه لابي ذر ان يفتي في موضوع الزكاة , وكذلك علي فيما يتعلق بموضوع تفضيله على ابي بكر او عمر وقد امر بجلد من يقول بذلك , وغيرها , وقد ذكر اكرم العمر في كتابه عصر الخلافة الراشدة ان فعل الخلفاء بهذه الطريقة امر ملزم للناس , وقد ذكر صلاة التراويح .
واذكر ان للشيخ بكر ابو زيد كلاما مهما حول ضرورة اخذ الناس على مذهب معين في القضاء حتى لا يعم الفساد , وحتى لا يترك الناس هكذا في الامور العامة , كل يأخذ ما يشتهي , ولو فعل ذلك لوجد كل واحد منهم مندوحة فيما يريد ان يفعل , حتى ان اراد ان يشرب الخمر ففي قول وكيع او غيره ما يسعفه وقد افتى بشرب النبيذ , وكذا لو اراد ان يزني لوجد من يقول له في اشتراط الولي عدم الالزام عذرا له , وكذا ما يتعلق بالربا مع علمنا بوجود من يرى جوازه في بعض الحالات والتي سماها بعضهم ربا يسيرا , ولو اردت ان اضرب لك امثلة اخرى لاحتاج المقام لوقت اطول .
اما الامور الخاصة والتي ليست هي معلقة بأحوالٍ عامة فالاخذ بالقول المخالف ان سانده الدليل لا شك فيه , مع ضرورة الاهتمام بالا ينس استعمال ما يعقله الناس .
فإذا كان كذلك فماذا تقول في فعل ابي بكر وعمر وعثمان وعلي بتلك الامثلة التي سقتها لك .؟
وفقك الله