الفصل الثاني:
المقررات والموقف من الواقع بين الرؤية الموضوعية وتهويل الفساد
الشاب المتدين بحاجة إلى رؤية واضحة لمشروعية الاندماج الاجتماعي، سيما المحافظة على مشروعية المجتمع ومؤسساته، ذلك أن اهتزاز الشرعية يوهن دوافع المشاركة والانتماء لديه لتأخذ في الانكماش، وتتزايد النزعة السلبية حتى يصل إلى إيثار الهروب والانسحاب من مسئولياته الاجتماعية بحثا عن تحقيق التطهر والنقاء عن الامتزاج بفساد الواقع الذي جرى تصويره له، وقد يلجأ الشاب إلى إعلان المواجهة والصدام كتعبير عن الاحتجاج بدلا من المشاركة الإيجابية الفاعلة.
يقدم المقرر أحيانا الدعوة إلى الالتحام بالمجتمع والاندماج بمؤسساته، ويوضح أهمية ذلك النهضة الأمة، ويحث الشاب على أن يكون عضوا فاعلا متفائلا، ويقدم صورة إيجابية عن الواقع، كما يصف المجتمع بقوله مثلا:
(فهو بلد الإسلام الذي ولد فيه [الشاب]، وعلى أرضه نشأ،...، وليحذر أن يكون آلة يستخدمها الأعداء لهدم الأمة من داخلها، والإفساد في الوطن) مقرر الحديث - الصف الثاني ثانوي - القسم الشرعي-71.
ويقول: (على الشاب أن يعلم أن أمته هي خير أمة...) مقرر الحديث - الصف الثاني ثانوي - القسم الشرعي-71.
ويقول : (صور استغلال الوقت..منها: ... التفكير في مصالح نفسك، ومصالح وطنك وأمتك، والعمل النافع المنتج...). مقرر الحديث - الصف الأول ثانوي -49.
ونحو هذه التصورات الإيجابية التي تدفع باتجاه تعميق الانتماء، وخلق دوافع المشاركة، عبر تأكيد المشروعية وإبراز جوانب الخير التي يفيض بها المجتمع، إلا أن المقرر يضطرب مرة أخرى فيقدم صورة قاتمة عن المجتمع ومؤسساته، ويبالغ في تصوير الانحراف، وفي تهويل الانحطاط، بما يربك التوازن النفسي للطالب، فيبالغ مثلا في تصوير طغيان الشركيات، وغرق العالم الإسلامي في البدع، وانحلال أخلاق المجتمع، حين يقول:
(غالب الناس من المسلمين قلدوا الكفار في عمل البدع والشركيات) ([55]).
(حدث في هذه الأمة من الشرك، والمبادئ الهدامة، والنحل الضالة، ما خرج به كثير من الناس عن دين الإسلام وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله) ([56]).
(عاد الشرك إلى كثير من هذه الأمة) ([57]).
(الغلو في الأولياء والصالحين.. كما هو الحاصل من عباد القبور اليوم في كثير من الأمصار)([58]).
(البدع المعاصرة كثيرة، بحكم تأخر الزمن، وقلة العلم، وكثرة الدعاة إلى البدع والمخالفات)([59]). (مع طول الزمن، والبعد عن آثار الرسالة، يحصل كثير من الانحراف، ويخفى كثير من السنن، وينبت كثير البدع) ([60]).
(لقد تهاون كثير من المسلمين اليوم مع الأسف بالتمسك بدينهم، والاعتزاز به، والدعوة إليه، فانحلت أخلاقهم، وشاعت بينهم الموبقات، ومالوا إلى الأهواء) ([61]).
(إذا تأملت حال أكثر الناس، وجدتهم بعد ذلك ينظرون في حقهم على الله، ولا ينظرون في حق الله عليهم، ومن هاهنا انقطعوا عن الله) ([62]).
والحقيقة أن مثل هذه المبالغة في تصوير الانحراف تهز انتماء الطالب لعالمه الإسلامي، وقد تمزق شعوره بروابطه الروحية تجاهه، ذلك أن اختزال المجتمع في بعض السلبيات والمخالفات يقضي على أي معنى للمشاركة والانتماء.
ويؤكد مشاعر السلبية أن المقرر أحيانا يتهور في إطلاق بعض الأوصاف التي تحمل قدرا من التهويل ضد المؤسسات الاجتماعية، كمؤسسات التعليم والإعلام ونحوها، فيقول مثلا:
(أصبحت مناهج التعليم في الغالب لا تولي جانب الدين اهتمامًا كبيرًا، أو لا تهتم به أصلاً)([63]) وفي هذا التقييم لمكانة العلوم الشرعية داخل البرنامج التعليمي إجحاف بارز، أو يشير إلى أن النظام التعليمي لا يمنحها الوقت الكافي كما يقول:
(سبل التوقي من الانحراف:.. العناية بتدريس العقيدة الصحيحة.. في مختلف المراحل الدراسية، وإعطاؤها الحصص الكافية من المنهج)([64]).
ويبالغ المقرر أيضا في تصوير الخلل والثغرات التي يرتكبها الإعلام فيجعلها منسلخة عن العقيدة، منحلة الأخلاق في جميع وسائل الإعلام، سواءً كانت تلفزة، أم إذاعة، أم صحافة، حيث يقول المقرر:
(أصبحت وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في الغالب أداة تدمير وانحراف، أو تعنى بأشياء مادية أو ترفيهية، ولا تهتم بما يقوم الأخلاق، ويزرع العقيدة الصحيحة، ويقاوم التيارات المنحرفة)([65]).
(بعض وسائل الإعلام المشبوهة) ([66])
(الأخبار التي ترد عن الفسقة في هذه الأيام، وبخاصة تلك الصادرة عن الإذاعات الأجنبية، أو الصحف، أو المجلات المنحرفة، أو وكالات الأنباء الحاقدة، ومن واجبنا عدم الاستماع إليها، أو تصديقها) ([67]).
كما يقدم للطالب قواعد خطرة حول تكفير الأنظمة والحكومات معزولة عن ضوابط التطبيق فيقول:
(إذا حكم حكمًا عامًا في دين المسلمين، بأن بعض القوانين جائر وتخضيع، فهو كفر ناقل عن الملة، وإن قالوا أخطأنا وحكم الشرع أعدل) ([68]).
أو يتحفظ على إطلاق وصف الإسلام:
(لا بد من الحكم بما أنزل الله والتحاكم إليه.. في سائر الحقوق، لا في الأحوال الشخصية فقط، كما في بعض الدول التي تنتسب إلى الإسلام) ([69]).
وهكذا فمن الخطورة تسليط الأضواء على نقاط الضعف في المجتمع، وثغرات الواقع، وعرضها بصورة مكبرة لما تخلقه هذه الصورة السوداوية من آثار على الحيوية الإصلاحية للطالب، فللإنسان طاقة نفسية محددة، تتلاشى بقاياها حين يشعر الشاب أن الخرق اتسع على الراقع، وأن لا فائدة من محاولة التغيير، وتصبح أفضل وسيلة للمحافظة على الدين هي الاعتزال داخل دوائر محدودة، يتشارك فيها فتية آمنوا بربهم هموم الغربة ووحشة الطريق.
وفضلا عن الحيوية الإصلاحية، فإن المبالغة في تصوير فساد الزمان وانحلال الأخلاق يؤدي إلى انهيار معنويات التدين ذاتها، حيث تتساقط دوافع الخير في وجدان الشاب حين نحاول إشعاره بأن المجتمع أغلبه على هذه الشاكلة، ولذلك فإن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى مخاطر هذه الحالة النفسية حين قال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)([70]).
كما كان صلى الله عليه وسلم يحذر من تنمية مشاعر التوجس والارتياب في تفكير الإنسان تجاه مجتمعه؛ لأن ذلك يزيد من مستوى الانحراف الاجتماعي ذاته، كما قال صلى الله عليه وسلم محذرا معاوية: (إنك إذا اتبعت الريبة في الناس أفسدتهم)([71]).
ليس من مصلحة المجتمع المسلم أن يوسع الفجوة بينه وبين شبابه، أو أن يضخ فيهم الغربة عنه، وغياب الأرضيات المشتركة، حتى أصبح البعض يستعذب المخالفة، ويستمتع بحجم التباين، الذي أصبح يمنحه شيئا من الفرادة يحقق بها ذاته ويشبع بها وجوده.
وأي خسارة أكبر من أن تستنزف الطاقات الشابة إمكانياتها في تكريس الفوارق والاختلاف!.
يتبع.............