الفصل الثالث:
الموقف من التدين بين القلق والطمأنينة
الطمأنينة من الحاجات الفطرية للإنسان تعزز دوافع العمل الصالح والإنتاج لديه، فإذا تسلل إلى الإنسان القنوط أو دب إليه اليأس فقد ينقلب على عقبيه يائسا من رحمة الله تعالى؛ ولهذا جاءت الشريعة بالتوازن الدقيق بين الرجاء والخوف، وهذا التوازن الشرعي يتعارض مع تضخيم الوعيد عبر تضييق نصوص الرجاء بالاستثناءات والقيود الغامضة التي تكاد أن تلغي وظيفة الرجاء وتهدد الطمأنينة، وتعود على أصل الرجاء بالإبطال، وذلك ما يتضمن ترجيحا مستترا للجانب الوعيدي في الإسلام، وهو ما تضافرت نصوص الشريعة على دفعه وتضييق نطاقه كما في نصوص كثيرة.
ولهذا فإن اعتدال الخطاب الديني مهم في منح الفرد فرصة للثقة بالنفس، وإعطائه القدر اللازم من الطمأنينة، فالقلق المبالغ فيه يثمر انقيادًا غير متوازن، وكثير من حالات التخبط الفقهي والإقصاء الديني كانت نتيجة مباشرة لفائض القلق.
فالقلق المبالغ فيه يضع في الإنسان دوافع الإحجام والانزواء، ومن ثم الشعور بأن الانهماك في تحصيل المصالح، أو الانخراط في الواجبات اليومية، إنما هو غفلة عن الدين، وصدود عن الله والدار الآخرة!، وهو حاله تتنافى مع أصول الدين ومقاصده في بناء القوة للأمة المسلمة كما أشار إلى ذلك الجويني وغيره من الفقهاء.
إن القلق والشعور بأن الضلالة شبح يتربص ينا يؤسس في الإنسان نزعات مقاومة التغيير، والوجل من الجديد دون فقه أو علم، ولذلك يلاحظ المتابع علاقة عكسية بين المبالغة في القلق على الإيمان وبين الحيوية المدنية، فكلما ازداد معدل التوتر الديني للفرد تناقص حجم مشاركته الاجتماعية، وكلما تمتع الإنسان بالقدر الكافي من الثقة والأمان ازداد مستوى إنتاجه الاجتماعي.
ومن أخطر ما يمكن أن يمارسه أي الوعظ الديني محاولة تمزيق السكن النفسي للفرد عبر تهويل احتمالات الشرك، والمبالغة في الترويع من البدعة، وتضخيم حبائل النفاق، وهذا لا يعني المخاطر مستحيلة، لكن لا يعني أيضًا أنها تطوق أنفاس الإنسان وحركاته وسكناته وتهدده في كل لحظة، وتتربص به في كل منعطف، بحيث لا يستطيع الإنسان أن يثق في إمكانية تجاوزها. فيحاول المقرر دوماً إشعار الطالب بأنه:
يسير بين مزالق البدع ويحوم على شفير الردة وتكاد تتخطفه كلاليب النفاق أو يهوي عليه سقف الشرك.
من المهم إشعار الطالب المخاطر، لكن لا يجوز أبدا تصوير الانحراف كقوة خارقة لا يمكن مقاومتها، أو المبالغة في رفع سقف الإيمان بطريقة خيالية.
يقول المقرر: (الناس قد يقعون في الشرك وهم لا يدرون) ([72]). ثم يؤكد ذلك:
(الناس قد يقعون في ألوان من الشرك وهم يجهلون) ([73]). (الشرك قد يتسرب إلى الإنسان من حيث لا يشعر) ([74]). ويعرض المقرر الصحابة وهم بين أحابيل الشرك لا يعلمون، كما يقول:
(فهاهم الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يسعى الشيطان لجرهم إلى الشرك من حيث لا يشعرون)([75]).
كيف ستكون طمأنينة المتلقي للمقرر حين يشعر أنه قد يقع في الشرك في كل لحظة وهو غافل لا يعلم شيئا فيكون من الخالدين في النار أبد الآبدين! بل كيف سيثق في إمكانية مقاومته وهو يشعر أن الشرك يتلاطم من حوله ويكاد يستحيل أن ينجو منه أحد، كما يقول المقرر:
(الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه) ([76]).
(المسلم الذي حماه الله من الوقوع في الشرك الأكبر قد يقع في الشرك الأصغر من حيث لا يدري، وذلك بالتلفظ بألفاظ تشعر بجعل أنداد مع الله، وإن كان لا يقصد المتلفظ الشرك) ([77]) ويؤكد المقرر قضية الفزع من نواقض الإسلام في موضوع النفاق أيضا، فيرى أن من الواجبات الشرعية: (وجوب الخوف من النفاق) ([78])
وفي أول دروس التوحيد في المرحلة المتوسطة: (باب: الخوف من الشرك)([79])
وينقل المقرر بعض مقولات التابعين في محاولة منه لتأصيل مشروعية القلق على الإيمان والرعب من الضلالة، كما يقول المقرر:
(النفاق شر وخطير جدًا، وقد كان الصحابة يتخوفون الوقوع فيه، قال ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه)([80]).
يتبع.........