عرض مشاركة واحدة
قديم 07-01-04, 06:36 pm   رقم المشاركة : 10
أباالخــــــيل
عضو مميز





معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة : أباالخــــــيل غير متواجد حالياً

الفصل الخامس:

المنهج العلمي بين الموضوعية والتهويل

الخطاب العلمي هو الخطاب الذي يتوخى العدل الشرعي في التقييم والتفسير، عبر رؤية الواقع واستيعابه كما هو، ومحاولة فرز ألوانه، والميل الشديد للتفصيل في موضعه، وتنظيم المعطيات، وإصدار الأحكام الهادئة، التي تحتفظ بهامش من النسبية، ولا يتورط في مجازفات تمليها عليه الإغراءات الكلامية، مع الاحترام المستمر للبرهان، ومحاولة تفهم دوافع المخالف، والبحث عن اعتباراته سواءًِ المعلنة أم الضمنية.

أما الخطاب الانفعالي الذي يحتوي على قدر عالٍ من التهويل والمبالغة، والمجازفة بالأحكام العامة، وتأكيدها بمفردات الحسم والقطع، وتجويز من المغالطات في سبيل التعبئة للفكرة.
والخطاب الانفعالي يبني عقلية جذرية مندفعة شديدة الانجذاب للتيارات الثورية، قابلة للاختطاف لأي اتجاه، غير مؤمنة بالحلول التدريجية، بخلاف الخطاب العلمي الذي يبني شخصية علمية تحاول اكتشاف المزايا وتعميقها، وتطويق الثغرات ومعالجتها.

والحقيقة أن المقرر يقدم في كثير من الأحيان تفصيلات جيدة في دراسة القضايا، وشروط دقيقة لبعض المفاهيم، لكنه يرتبك في أحيان أخرى ويقع في الإجمال أو إهدار الضوابط العامة والأسس الشرعية، كأصل رفع الحرج، أو موانع التكليف، أو اعتبار الأعراف، ونحوها، وسنحاول أن نقدم نموذجا لذلك:
فمثلا من أهم الأصول الفقهية أصل مراعاة المقاصد، ومن الخطير جدا تقديم الأحكام المجملة للطالب دون مراعاة هذا الأصل عبر تحميل العبارات من الدلالات الكفرية بدون النظر في قصد قائلها، كما يعتبر المقرر مثلا أن التعليق على الشخص الملتحي بعبارة (الدين ليس في الشَّعَر) استهزاء بالسنة يكفر به صاحبه، ويخرج من الدين بالكلية.

والمعروف أن كثيرا ممن يقول هذه العبارة لا يقصد تنقص الدين، بل يقصد معنى صحيحًا جاءت به الشريعة، وهو أن التدين ليس مجرد مظهر أو شكل أو هيئة، بل التدين الحقيقي هو القيام بالواجبات الأساسية ومراعاة الأولويات، بيد أن المقرر يوهم أن المناط الوحيد هو صورة العبارة دون إبراز كاف لبقية الاعتبارات، فيقول:
(.. وما أشبه هذه الأقوال التي كلها سب للدين وأهله واستهزاء بالعقيدة الصحيحة ولا حول ولا قوة إلا بالله، ومن ذلك استهزاؤهم بمن تمسك بسنة من سنن الرسول صلى الله وعليه وسلم [كقولهم]: الدين ليس في الشعر، استهزاء بإعفاء اللحية، وما أشبه هذه الألفاظ الوقحة) ([123]).

بل يجعل المقرر مجرد التضايق من بعض الممارسات التي تصدر من رجال الحسبة، والتي هي في أغلب الأحوال لا تعبر عن الدين، بقدر ما تعبر عن اجتهاد شخصي لأفراد الجهاز، ومع ذلك يجعل المقرر التضايق منها ردة عن الإسلام، وكفراً مخرجاً من الملة.
حيث يرى المقرر أن من أنواع الاستهزاء الذي يكفر به صاحبه ويرتد عن الإسلام ويخرج من الملة:
(قول الآخر إذا رأى الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، جاءكم أهل الدين، من باب السخرية، وما أشبه ذلك مما لا يحصى إلا بكلفة، مما هو أعظم من قول الذين نزلت فيهم الآية).([124])
وهكذا دون تفريق بين الاعتراض على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الثابتة بالنصوص القرآنية، وبين الاعتراض على مجرد تصرفات رجل الحسبة التي قد تخرج أحيانا عن المفهوم الشرعي للحسبة.
كما يجعل من أمثلة النفاق المخرج من الملة:
(الاستهزاء بالقائمين على أعمال البر) ([125]).

ولسنا بحاجة إلى أن نؤكد مرة أخرى أن هناك فارقا بين شعيرة الإحسان إلى الفقراء، وبين الاجتهادات الشخصية لممارسي العمل في هذا النشاط الخيري.
ومن ظواهر الاضطراب في المنهج العلمي أن المقرر عقد درسا لـ(موانع التكفير) وهي (الجهل، والخطأ، والتأويل، والإكراه) وقدم فيها مجموعة من التفصيلات والأدلة.( مقرر التوحيد – الثالث ثانوي – شرعي – 25).
إلا أنه في التطبيق العملي يتجاهل بعض موانع التكليف كالجهل والتأويل وعدم القدرة والخطأ والخوف ونحوها، إما بتصريح نظري، أو بشكل تطبيقي، مما يترتب عليه وقوع الطالب في خطر التناقض والتطبيق العشوائي لقواعد التكفير والتضليل.

فمثلا يتجاهل المقرر عذر المخطئ بشكل موهم فيقول:
(الناس قد يقعون في الشرك وهم لا يدرون) ([126]).
(الشرك قد يتسرب إلى الإنسان من حيث لا يشعر) ([127]).
كما يتجاهل بعض حالات عذر الجاهل فيقول: (الجهل يكون مانعا من موانع التكفير في حالات دون حالات) ([128]). ولذلك فكثيرا ما يوحي بإطلاق الكفر على الجاهل كما يقول:
(إن ما ينذره جهلة المسلمين، من نذور للأولياء والصالحين من أموات المسلمين، كأن يقول: يا سيد فلان إن رزقني الله كذا، أجعل لك كذا.. فهو شرك أكبر) ([129]).
(الناس قد يقعون في ألوان من الشرك وهم يجهلون) ([130]). كما يلغي عذر الخائف فيقول:
(ولا فرق في جميع هذه النواقض، بين الهازل، والجاد، والخائف) ([131]).
كما يتجاهل عذر المتأول فيوحي بإطلاق الكفر على كثير من المذاهب المخالفة كما في موضوع الموقف من الصفات الإلهية، أو الموقف من الصحابة، أو غيرهما.

ومن النماذج التي يضطرب فيها المنهج العلمي أيضا ما يقوله المقرر عن ممارسة الأنشطة الأسبوعية كأسبوع الشجرة، وأسبوع المرور، حيث يجعلها فسقا ومعصية، والمشارك فيها آثم، لأنها تقليد للكفار، فحينما قسم تقليد الكفار إلى كفر وفسق، جعل من أنواع التقليد الذي هو فسق ومعصية:
(تخصيص بعض الأيام والأسابيع للنشاط في بعض الأعمال، واتخاذ الأيام الوطنية والقومية وهذا محرم وفسق)([132]).
وهذا فقط أحد نماذج التهويل الفقهي، وتضخيم الدلالات، والتعنت في تفسير الممارسات الاجتماعية، فالأنشطة التي يمارسها غير المسلمين:
إما أن تكون شعائر دينية وممارسات تختص بهم وإما أن تكون أنشطة اجتماعية يتخذونها بشكل مدني أو لتدبير شؤونهم العامة.

فالنوع الأول لا يجوز للمسلم ممارسته

أما النوع الثاني، فله ثلاثة شروط:
1ـ تحقق المصلحة.
2ـ وخلوه من الموانع الشرعية.
3ـ وانتفاء قصد التشبه.

وكثير من الأحكام التي يضطرب فيها المنهج العلمي وتحمل تعنتا في التفسير تكون مدفوعة في الغالب بقلق عقائدي، كما في موقف المقرر من إضافة النتائج إلى أسبابها حيث يرى مثلاً أن مقولة (الخطط التنموية تقضي على الفقر والجهل) شرك أصغر والذي هو من أكبر الكبائر، لأن فيها نسبة النعمة لغير الله، واضح طبعًا أن واضع المقرر يقصد الاستخدام الصحفي لهذه العبارة فهل الكاتب المسلم حين يقول ذلك يقصد الشرك مع الله!
إنما يقصد أن الخطط التنموية سبب والأمر كله بيد الله، وفي أسوا الأحوال قد تعتبر هذه العبارة تحتاج إلى بعض التحفظات لتكون أكمل أدباً، لا أن تكون لونًا من الشرك.

ومن نماذج الشرك الأصغر التي يعرضها المقررة عبارة (تقدم الطب قضى على الأمراض) لذات الاعتبار السابق وهو كونها نسبة للنعمة إلى غير الله، بدون مراعاة مقاصد الناس.
ومن النماذج كذلك أن من فسر سلامة رحلته بكفاءة قائد الرحلة فالمقرر يعتبره لونًا من الشرك، أو فسرها بكون الطقس والأجواء كانت مناسبة.
وكذلك إذا نسب المال إلى نفسه أو مورثه فإن هذا شرك أصغر لأنه نسبة النعم لغير الله.

ومما يزيد الأمر تعقيدا أن المقرر يؤكد أنه، حتى لو سلم قصد القائل، وكان يرى أن النعمة كلها من الله لكن الطب، أو الخطط التنموية، أو كفاءة القائد، أو الأجواء، ونحوها، كانت مجرد أسباب، فإن التعبير بذلك وإضافتها إلى الأسباب يعتبر شركاً أصغر، يقول المقرر:
(من أقر بقلبه أن النعم كلها من الله وحده، وهو بلسانه تارة يضيفها إلى الله، وتارة إلى نفسه وعمله أو سعي غيره، فهذا شرك أصغر.. يجب التوبة منه..، ولنسبة النعم إلى غير الله أمثلة كثيرة: ..كقول بعضهم -إذا طاب سير السفينة –: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقًا، وقول لولا فلان لكان كذا، وهذا مالي ورثته عن آبائي، ومن الأمثلة المعاصرة، قول بعضهم: تقدم الطب قضى على الأمراض، والخطط التنموية تقضي على الفقر والجهل، ونحو ذلك) ([133]) .

ولا شك أن هذا الحكم فيه كثير من المبالغة فإن الله تعالى يضيف النعم إلى نفسه إضافة خلق وإيجاد، ويضيفها إلى المخلوق إضافة سببية كما قال تعالى { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِيَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ} ([134]) فإن الله تعالى هاهنا أضاف النعمة التي يتمتع بها زيد بن حارثة إلى الله سبحانه باعتباره خالقها، وأضافها إلى رسوله صلى الله عليه وسلم المخلوق باعتباره سببًا، وبصيغة تحتمل التسوية.

وكذلك فإن الله سبحانه نسب الفضل إلى الخالق نفسه على وجه الاختصاص فقال: {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ} ([135])، وأضافه إلى الخالق والمخلوق، وبصيغة تحتمل التسوية، فقال: {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ} ([136])، فجمع هاهنا بين نسبة النعمة إلى غير الله، وبين صيغة التسوية، كلاهما في الخطاب العقدي للمقرر نوع من الشرك الأصغر، وأضافه للمخلوق مفردا فقال: {وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ} ([137])، فكانت إضافة نعمة الإحسان والتفضل إلى الخالق إضافة خلق وإيجاد، وإضافتها للمخلوق إضافة سبب بإذن الله، ولم يعتبر القرآن هذه الصيغ في التعبير شركا أصغر.
بل حتى عبارة (هذا مالي ورثته عن آبائي) إذا كان يعتقد أنه ومورثه مجرد سبب لا يمكن أن تكون شركاً أصغر من أكبر الكبائر، فالقرآن نفسه نسب المال إلى شتى أصناف المخلوقين، فخاطبنا الله وأضاف المال إلينا فقال: {اعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ} ([138])، وأضاف المال إلى الناس فقال: {وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ} ([139])، وأضاف المال إلى اليتامى فقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى} ([140])، وأضافه إلى المجاهدين فقال: {وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِهِمْ}([141])، وأضافه إلى التجار فقال: {وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ} ([142])، وأضافه إلى الكفار فقال: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ} ([143])، وأضافه إلى المنافقين فقال: {وَكَرِهُوا أَن يُّجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ}([144]).

ومن نماذج التعنت العقائدي أيضا أن المقرر يجعل من صور اتخاذ الأنداد مع الله من يقول:
(لولا الحارس لأتانا اللصوص) ونحو هذه العبارات فيقول مثلا:
(الشرك الأصغر.. كالتلفظ بألفاظ تشعر بجعل أنداد مع الله وإن كان لا يقصد المتلفظ الشرك.. [مثل] لولا الله وأنت)([145]).
فإذا كان لا يقصد المتلفظ بها الشرك فلا يمكن أن تكون شركاً، ولو كان انتقادها من باب الأدب واللباقة لكان اجتهادا سائغا، أما أن تجعل شركا أصغر توضع في مصاف الكبائر الشنيعة كالغش والخيانة والزنا والسرقة ونحوها ففيه كثير من المبالغة كما يقول المقرر:
(الشرك الأصغر الذي هو أكبر الكبائر.. مثل قول لولا الله ولولا فلان)([146])
فإذا كان يقصد مساواة السبب بالله فمفهوم أنه شرك أكبر، لكن إن كان لا يقصد الشرك، كما يؤكد المقرر ذاته، فلا يمكن أن تكون من أكبر الكبائر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعبر بمثل هذ التعبيرات، فإنه لما سأله عمه العباس عما قدم لعمه بقوله: (ما أغنيت من عمك أبي طالب فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟) فأجابه صلى الله عليه وسلم بقوله: (لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار)([147]).
فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يقصد الشرك قطعا وإنما كان يقصد أنه مجرد سبب.

ومن الخلل في المنهج العلمي، إعطاء العبارات التلقائية والعفوية أبعادا أضخم من حجمها الطبيعي، أو تحميلها بالدلالات الشركية.

كما يجعل المقرر مثلا من أنواع الإلحاد من يطلق على الذات الإلهية اسم:
(المهندس الأعظم، أو القوة المطلقة) ([148]).
فلو انتقد المقرر هذه العبارة من جهة الأدب مع الله لكان أمرا مقبولاً، لكن أن يجعلها إلحادا في أسماء الله، ويجعلها نظير تسمية المشركين أصنامهم باسم اللات اشتقاقا من اسم (الله)، أو العزى اشتقاقا من اسم (العزيز)، فهذا تهويل يبني العقل الديني للطالب بشكل انفعالي غير علمي.



يتبع......







التوقيع


أيها ذا الشاكي وما بك داءٌ * كن جميلاً تر الوجود جميلا