توجيـه للمعلــم
قال عمر بن عتبة لمعلم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاحك لنفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبيح عندهم ما تركت، علـّمهم كتاب الله ولا تملهم فيه فيتركوه ولا تتركهم منه فيهجروه. روِّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفه، ولا تنقلهم من علم إلى علم حتى يـُحكموه فإن ازدحام الكلام في القلب مشغلة للفهم، وعلمهم سنن الحكماء، وجنبهم محادثة النساء، ولا تتكل على عذر مني لك، فقد اتكلت على كفاية منك، قال الشاعر:
وإن مــن أدبتـــه فــي الصبــا كالعودِ يُسقى الماء في غرسه
حـتـى تــــراه مورقـاً نـاضــراً بعـد الـذي أبصـرت مـن يبسـه
مـا تبلــغ الأعـداء مـن جاهـل مـا يبلــغ الجـاهـل مـن نفسـه
----------------------------------------
بلـح ممـا ألقـت الريـح
حدّث سنان بن سلمة، أنه كان في صباه يلتقط البلح في أصول النخل، مع بعض الصبية، إذ أقبل عمر بن الخطاب، فتفرَّق الغلمان جزعاً من التقاطهم البلح، من ظلال نخيل الناس، وثبت الطفل، ولما دنا منه عمر، قال: يا أمير المؤمنين، إنما هذا مما ألقت الريح. فقال عمر: "أرني أنظر، فإنه لا يخفى عليَّ" فنظر عمر البلح في حجره، ثم قال: صدقت، إلا أن الطفل لم يقنع بهذا، وطمع أن يحرسه عمر إلى بيته، فقال يا أمير المؤمنين: أترى هؤلاء الصبية؟ وأشار إلى الصبية الهاربين، والله لئن انطلقت لأغاروا عليّ فانتزعوا مما معي، فمشى عمر معه حتى أوصله بيته. -------------------------------------------------- أهلـي.. أهلــي
وفد أعرابي على كسرى أنو شروان، فسأله عن اسمه وصناعته، فأجابه، أنا الحارث بن كـِلدة، طبيب العرب، فقال كسرى: ما يصنع العرب بالطبيب، مع سوء أغذيتهم؟ قال: إن كان هذا حالهم، فهم أجدر بالطبيب، فقال: وكيف يعرفون من يسلمون إليه أمرهم، مع ما هم عليه من شدة الجهل، قال: إن الله عز وجل قسم العقول بين العباد، كما قسم الأرزاق، وأخذ القوم نصيبهم، ففيهم ما في غيرهم من جاهل وعالم، وعاجز وحازم وغير ذلك، فقال: ما هو المحمود من صفاتهم، قال: هو أكثر من أن يـُحصر، فإن لهم أنفساً سخية، وقلوباً جريـَّة، وعقولاً صحية، وأنساباً نقية، لغتهم أفصح اللغات، وأوسعها في التراكيب والكلمات، ألسنتهم طليقة، وعباراتهم رقيقة، يمرُق الكلام من أفواههم مروق السهام من أوتارهم، أعذب من الماء وألين من الهواء، يطعمون الطعام، ويواسون الأيتام، عزهم لا يرام، وجارهم لا يضام، فاستوى كسرى على كرسيه، وجرى ماء الحلم في وجهه، وقال لجلسائه مشيراً إلى ابن كلدة: إني وجدته راجحاً، ولقومه مادحاً، وبفضلهم ناطقاً، ولما يورده من لفظه صادقاً، وكذا العاقل، من أحكمته التجارب، ولا يكون حاطباً مع كل حاطب، ثم بشَّ في وجهه قائلاً، لله درك من عربي، لقد أعطيت علماً، وخـُصصت فطنة وفهماً، وأحسن صلته، وقضى جميع حوائجه --------------------------------------------------------------
عبـد الله بـن الزبيـر
مر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بصبية يلعبون. فلما رأوه فروا جميعاً، إلا غلاماً صغيراً بقي مكانه لم يبرحه. فأقبل عليه عمر وسأله: يا غلام، لـِمَ لـَمْ تفر كما فرَّ زملاؤك؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لم أرتكب ذنباً فأخافك، وليست الطريق ضيقة فأوسعها لك. --------------------------------------------------------
- تـارك الصــلاة
ما يصيب تارك الصلاة، كما ورد في الأثر. ستة في الدنيا، وثلاثة عند الموت، وثلاثة في القبر، وثلاثة عند خروجه من القبر. فأما الستة التي تصيبه في الدنيا، فالأولى، ينزع الله البركة من عمره، والثانية، يمسح الله سيما الصالحين من وجهه، والثالثة، كل عمل لا يؤجره الله عليه، والرابعة، لا يرفع الله عز وجل له دعاء إلى السماء، والخامسة تمقته الخلائق في دار الدنيا، والسادسة، ليس له حظ في دعاء الصالحين. وأما الثلاثة التي تصيبه عند الموت: فالأولى، يموت ذليلاً، والثانية يموت جائعاً، والثالثة يموت عطشاناً، ولو سـُقي مياه بحار الدنيا ما روي من عطشه. وأما الثلاثة التي تصيبه في قبره، فالأولى، يـُضـَيـّق الله عليه ويـُعصر حتى تختلف أضلاعه، والثانية يوقد عليه في قبره ناراً يتقلب على جمرها ليلاً ونهاراً، والثالثة، يـُسـَلـِّطُ الله عليه ثعباناً يسمى الشجاع الأقرع، صوته كالرعد القاصف، ويقول: أمرني ربي أن أضربك على ضياع الصلوات الخمس، فكلما ضربه يغوص في الأرض، سبعين ذراعاً، فيدخل أظفاره تحت الأرض ويـُخرجه، فلا يبرح تحت الأرض إلى يوم القيامة. وأما الثلاثة التي تصيبه يوم القيامة، فالأولى يـُسلط الله عليه من يسحبه إلى نار جهنم على حـُرّ وجهه، والثانية ينظر الله تعالى إليه بعين الغضب وقت الحساب، فيقع لحم وجهه، والثالثة يحاسبه الله حساباً ما عليه من مزيد سرمداً طويلاً، ويأمر الله عز وجل به إلى النار، وبئس القرار. -----------------------------------------------------------------------------
ما علـى هـذا اتبعتـك
عن شداد بن السهاد رضي الله عنه: أن رجلاً من الأعراب جاء فآمـَن بالنبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال أهاجر معك، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فكانت غزوة غنم فيها النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً، فقسم وقسم له، فقال الأعرابي: ما هذا؟ فقال قسمته لك. فقال: ما على هذا اتبعتك يا رسول الله، إنما اتبعتك على أن أُرمـَى ههنا - وأشار بيده إلى حلقه - بسهم فأموت فأدخل الجنة، قال: إن تصدق الله يصدقك. فلبثوا قليلاً ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتيَ به إلى النبي محمولاً، قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم، أهو هو؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: صدق الله فصدقه. ثم كـُفن في جـُبـَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قام فصلى عليه، فكان مما ظهر من صلاته: اللهم هذا عبدك خرج مهاجراً في سبيلك، فـَقـُتـِلَ شهيداً، وأنا شهيد على ذلك -------------------------------------------------------------------------
أذان بـــلال
رُوي أن بلالاً رأى في منامه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني يا بلال، فانتبه حزيناً وجلا خائفاً، فركب راحلته، وقصد المدينة، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجعل يبكي عنده، ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما، فقالا له: نشتهي أن نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فعلا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلما أن قال: الله أكبر الله أكبر، ارتجت المدينة، فلما أن قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ازدادت رجتها، فلما أن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، خرجت العواتق من خدورهن وقلن: أبـُعـِثَ الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال: فما رأيت يوماً أكثر باكياً ولا باكية بالمدينة، بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك اليوم --------------------------------------------------------------
الفضـل لمـن سبـق
جرى بين محمد بن الحنفية وأخيه الحسن بن علي رضي الله عنهما جفوة، فانصرفا مت
ين، فلما وصل محمد إلى بيته، أخذ ورقة وكتب فيها. بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد بن علي بن أبي طالب، إلى أخيه الحسن بن علي بن أبي طالب، أما بعد. فإن لك شرفاً لا أبلغه، وفضلاً لا أدركه، فإذا قرأت رقعتي هذه، فالبس رداءك ونعليك، وسر إليّ فترضـَّني، وإياك أن أكون سابقك إلى الفضل الذي أنت أولى به مني. والسلام. فلما قرأ الحسن الرقعة، لبس رداءه ونعليه، ثم جاء إلى أخيه محمد فترضـَّاه. -------------------------------------------------------------------------
دخل الحسن والحسين رضي الله عنهما المسجد على رجل مـُسـِنّ، فوجداه يصلي، ولكنه لا يجيد الصلاة: فأرادا نصحه، وكيف وهو شيخ كبير؟ فما كان منهما إلا أن تنازعا على من يتقن الوضوء، الحسن أم الحسين؟ ثم على من يؤدي الصلاة أقوَم، هذا يقول أنا، وذاك يقول أنا، واحتكما إلى الشيخ، فرأى وضوءهما وصلاتهما، فرجع إلى نفسه وقال لهما: أي وربي، لقد أحسنتما ولم يسيء إلا أنا. وفي هذا المعنى يقول الإمام الشافعي:
تعهـدنـي بنصحـك فـي انفـرادي وجـنبِّني النصيحـة فـي الجماعة
فــإن النصـح بيـن النـاس نـوع مـن التوبيخ لا أرضى استماعه
-------------------------------------------
دعـوات أربــع
كان رجل شريب، جمع قوماً من ندمائه، ودفع إلى غلامه أربعة دراهم، وأمره أن يشتري شيئاً من الفواكه للمجلس، فمر الغلام بباب مجلس منصور بن عمار، وهو يسأل لفقير شيئاً ويقول: من دفع أربعة دراهم، دعوت له أربع دعوات، فدفع إليه الغلام الدراهم، فقال منصور: ما الذي تريد أن أدعو لك؟ فقال: لي سيد أريد أن أتخلص منه، فدعا منصور، وقال: الأخرى، فقال الغلام: أن يخلف الله عليَّ دراهمي، فدعا ثم قال: الأخرى، قال الغلام: أن يتوب الله على سيدي. فدعا ثم قال: الأخرى، فقال: أن يغفر الله لي ولسيدي ولك وللقوم، فدعا منصور، فرجع الغلام فقال له سيده: لـِمَ أبطأت؟ فقص عليه القصة، قال: وبم دعا، فقال: سألت لنفسي العتق. فقال له: اذهب فأنت حر، قال: وما الثاني، قال: أن يخلف الله عليَّ الدراهم، قال: لك أربعة آلاف درهم، قال: وما الثالث، قال: أن يتوب الله عليك، قال: تبت إلى الله، قال: وما الرابع، قال: أن يغفر الله لي ولك وللقوم، قال: هذا الواحد ليس إليَّ، فلما بات تلك الليلة رأى في المنام كأن قائلاً يقول له: أنت فعلت ما كان إليك، أفترى أني لا أفعل ما إليّ، قد غفرت لك وللغلام ولمنصور بن عمار وللقوم الحاضرين أجمعين. --------------------------------------------------------
تقشـــف
عندما زار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه مدينة حمص بالشام، جاءه أهلها يشكون واليهم، سعيد بن عامر وعابوا عليه أربع خصال، لا يخرج إليهم حتى يتعالى النهار، ولا يجيب أحداً بليل، ويعتزل الناس يوماً في الشهر، ويأتيه إغماء بين حين وحين: ويسأله عن ذلك، فيعلم أنه يعجن كل صباح خبزه، ويخبزه بنفسه، ثم يخرج، وأنه جعل نهاره للناس، وليله لله، يعبده فيه، وأنه يغسل ثيابه مرة في الشهر، وينتظر حتى تجف، وأما عن الإغماء فقد قال سعيد: كنت مشركاً، وشهدت مصرع حبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت (قطعت) قريش لحمه، ثم حملوه على جذع، وقالوا له أتحبُّ أن يكون محمد مكانك، فقال: والله ما أحب أن أكون معافى في نفسي وأهلي وولدي، وأن محمداً شـِيك بشوكة، ثم نادى يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتركي نصرة حبيب، وأنا مشرك لا أومن بالله العظيم، إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي ابداً، فيصيبني ما يصيبني يا أمير المؤمنين. وأمر عمر رضي الله عنه، أهل حمص يوماً أن يسجلوا له فقراءهم، فلما اطلع على القائمة، قرأ في رأسها (سعيد بن عامر)، فقال: من سعيد بن عامر؟ قالوا هو أميرنا يا أمير المؤمنين، قال عمر، وأميركم فقير، وأين إذن عطاؤه؟ قالوا: إنه لا يستبقي منه شيئاً، فأرسل إليه عمر ألف دينار، فلما نظر سعيد إلى تلك الدنانير جعل يقول: (إنا لله وإنا إليه راجعون) فقيل له: ما شأنك؟ أأصيب أمير المؤمنين، قال: أعظم، قيل: أفظهرت آية، قال: أعظم من ذلك، الدنيا أتتني، الفتنة أتتني، فقيل له لا عليك، وزع الدنانير على فقراء المسلمين، ففرقها سعيد على جيوش المسلمين.
------------------------------------------------------------------