عيب وشق جيب!!

نورة، طالبة سعودية مبتعثة تدرس الماجستير في أمريكا، تحاول جاهدة أن تحقق ذاتها، وترفع رأس وطنها، وتورث شيئاً من الفخر في نفوس أهلها وزوجها الذي وافق على ابتعاثها برغم معارضة بقية الأقارب الذين رفعوا شعار (تبونا نقول للناس ان فلانة بنت فلان سافرت امريكا تدرس)!
تستيقظ نورة صباحاً لتتولى مهمة تحضير الأكل لها ولزوجها الذي يرافقها، وبعد الإفطار ترتدي حجابها الذي يبرز قسمات وجهها الطفولي، ثم تتدثر بـ (بلوزة) طويلة تنسدل لتغطي الجزء العلوي من بنطلونها الجينز الذي اشترته من متجر ملابس فاخر بالرياض. وبعد أن يكملان استعداداتهما ليوم دراسي حافل، ينطلقان إلى الجامعة عبر سيارة متوسطة الثمن تقودها نورة باحتراف وذوق عاليان، مبتهجة برخصة القيادة التي حصلت عليها من أمريكا.
كان اليوم روتينياً كباقي أيام الدراسة، فما أن وصلت نورة وزوجها خالد إلى بهو الجامعة حتى استقبلهما زميلهما الأمريكي (جون) والذي كان يحفز همة نورة كي تحث الخطى نحو قاعة الدرس، فالمشروع الذي كلفهم به البروفيسور كان على شكل مجموعة من أربعة أشخاص، ضمت إلى جانب نورة وخالد وجون، زميلهم الطالب السعودي محمد الذي يشاركهم نفس المادة.
وبعد أن انتهت نورة من محاضرات الجامعة المرهقة، دلفت وزوجها إلى مطعم قريب ليتناولا فيه وجبة الغداء، ثم تابعا طريقهما إلى النادي الصحي الذي يتمرن فيه خالد كل عصر، وانطلقت هي إلى مكتب العقار لتناقش مع صاحب المكتب بعض الأعباء الإضافية التي وافق أخيراً على إنزالها عن كاهلهم قائلاً: أنتِ يانورة مثال للمسلمة الطموحة والمحترمة، التي لا تتنازل عن حقوقها، فليبارككِ الرب!
كانت أيام الدراسة مليئة بالفوائد لنورة وزوجها، تعلمت فيها نورة كيف تعتمد على نفسها وتنزع عنها الخوف والرهبة، لتناقش وتأخذ وتعطي وفي نفس الوقت لا تتنازل عن ثوابتها ولا تساوم حول مبادئها. وكان الجميع يثني على تمسكها بحجابها وأدبها الجم وتعاونها مع زملائها وروحها المرحة، كانت سنوات ثلاث تضج بالذكريات الجميلة والمشرفة، ليعودان أخيراً للرياض، معشوقتهما!
وما أن حطت أقدام نورة للرياض حتى تلقت تقريعاً من زوجها لأنها نسيت أن تغطي وجهها، مع أنه كان يثني على حجابها المحتشم عندما كانا في أمريكا! ثم تلقت محاضرة أخرى عن عدم الإكثار من الكلام مع موظفي المطار والجوازات، وذلك تحت ذريعة أن الحديث مع الرجال الأجانب حرام وعيب وشق جيب! تعجبت نورة لأن ذلك لم يكن يُمارس معها طيلة الثلاث سنوات الماضية التي كانت تنهي فيها جميع الإجراءت بنفسها دون وصي، لكنها لم تأبه كثيراً!
عندما وصلت نورة إلى البيت كادت أن ترتكب حماقة أخرى حين دخلت البيت دون أن تنتظر دخول زوجها أولاً لوجود الكثير من الرجال الذين اعتادت رؤيتهم في أمريكا والحديث معهم دون ريبة، اكتفى خالد هذه المرة بنظرة حانقة!
كانت نورة تقضي وقتها بين تصفح الإنترنت والتلفزيون، ولا تتحدث أبداً عن الذهاب للسوق وحدها، بعد المشكلة التي حصلت لها حين ذهبت للسوق ومنعت من دخول بعض المطاعم لعدم وجود محرمها، بل وتعرض لها بعض الشباب مبررين تصرفهم بأنها (قليلة حيا) لأنها ذهبت لوحدها، مع أنها كانت محتشمة، وتعجبت كثيراً لغياب قوانين التحرش!
ومع مرور الأيام، بدأ الشيب يغزو رأس نورة، ولم يكن ذلك بسبب تقدمها في العمر، بل لأنها فكرت في العمل، وبدأت سلسلة طويلة من المفاوضات ليس للتقديم على الوظائف، بل لمحاولة التملق لزوجها كي يوافق على تخليص بعض إجراءاتها وإعطائها الموافقة اللازمة، كما أن جميع أمورها لن تتم إلا بوجود إذن من زوجها أو بحضوره كمحرم، وأكثر الوظائف ستُرفض بحجة الاختلاط، فقررت أخيراً نسيان هذه الفكرة الغبية، لا سيما أن راتبها في نهاية المطاف سيكون في جيب زوجها!
ألغت نورة كل طموحاتها وتفرغت للبيت وإنجاب الأبناء، فأنجبت 6 بنات أخريات أسمتهن بأسماء مسالمة ومهادنة مثل (رقة، سكينة، درة، لولوة)، وواصلت الاعتناء بهم وقتل طموحاتهم لكي لا يصطدمن بالواقع يوماً ما. كانت تقاوم رغباتها الفطرية في الاعتماد على نفسها، حتى مرضت ابنتها وحاولت الاتصال بزوجها الذي كان في رحلة برية مع أصدقاءه مغلقاً هاتفه المحمول، فحملت ابنتها وخطفت مفتاح سيارة زوجها وحين وصلت عند الباب، قالت لها أمها: هل تعلمين يانورة ماذا حصل لآخر فتاة حاولت فعل ذلك!!!
** الصورة تعبيرية