عرض مشاركة واحدة
قديم 07-04-06, 05:39 pm   رقم المشاركة : 59
أبوفالح
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية أبوفالح






معلومات إضافية
  النقاط : 10
  المستوى :
  الحالة : أبوفالح غير متواجد حالياً

[align=center]
(( الجزء الرابع والأخير ))


.
.
.
.

ولكن لا فائدة .. لست أرى فيما حولي غير مياه البحر الهائجة .. وعندها نهضت من رقدتي وتوضأت من بطن القارب ثم صليت الفجر

وأطلت فيها وأنا أبتهل وأدعو الله أن ينجيني ويجمعني بصديقي عبد الإله


وبعد أن فرغت من أداء صلاة الفجر.. لم يكن في وسعي عمله غير أن اضطجع في بطن القارب من جديد منتظراً فرج الله وإنقاذه

وطيلة نهار الجمعة والموج لا يتوقف عن الهيجان والعبث بقاربي الهائم على غير هدى

وحين أصبحت الشمس في كبد السماء صليت الظهر والعصر جمعاً وقصراً .. لقد كنت لا أعي من الوقت غير هذا

فالشمس هي المؤشر اليتيم الذي أحفل بتواجده .

وكنت طيلة نهار الجمعة أنظر بترقب وأمل وإلحاح نفسي مسرف في تلهفه .. أن يصل إلى مكاني فريق إنقاذ ينتشلني من هذا القارب

ويعيدني إلى جنة اليابسة والأمان .. لقد كنت في هذا القارب عدا إيماني بالله أفتقد لأدنى أسباب الحياة المعيشية

ليس هناك ماء .. ليس هناك طعام .. حتى المجاديف لا تتواجد في هذا القارب

لقد كنت أشبه ما أكون بقطعة خشب عائمة لا يحفل بها ولا يدرك من أمرها شيئاً ... فما حولي هو البحر ثم البحر ولا شئ غير البحر .

وفي تلك اللحظات اليائسة .. أخذ ينتابني شعور مقلق جداً وهو أيضاً قريب جداً ..

يا ترى ماذا ستكون عليه حالتي لو ظللت على هذا الوضع الراهن لأيام قادمة ... قطعاً سأهلك عطشاً وجوعاً فوق هذا القارب

حتى وإن كان غرق العبارة ليلة البارحة وفراق صديقي وما أعقب ذلك من أهوال .. يجعلني في عزوف وعدم رغبة في المأكل أو المشرب

ولكن هذا إلى أمد قريب .. وأنا قطعاً لا أستطيع التحكم في طاقتي وجهدي طوال الوقت

بل ستضعف قوتي وتتراخى أعضائي حتى ألفظ أنفاسي فوق هذا القارب العائم .. وماذا يجدي نفعاً لو عثروا على جثتي بعد ذلك

وهي ممددة في جوف القارب وقد أنتنت وتضاعف حجمها .. وحين وصلت إلى هاجس الوفاة أخذ يلوح أمام عيني .. وجه أمي وثغرها الطاهر

لقد ودعتها وقبلت رأسها بعد أن كذبت عليها وأخبرتها عن رحلة برية سأقضيها في أطراف المدينة

تمنيت في تلك اللحظات أني صدقتها القول ولم أماري في وجهتي .. فأنا لست أريد أن تكون اللحظة الأخيرة مع أمي كذبة تنطلي عليها..

فقطعاً سيتضاعف حزنها وستدوم حسرتها حين تدرك هذا المصير .. وعندها ستبكي حبيبتي ثم تبكي و تبكي

ولا شئ في الأفق الفسيح أهمني أمره في تلك اللحظات العائمة .. غير بكاء حبيبتي أمي .

وحين يلح هذا الهاجس المؤلم في تفكيري .. كنت أرفع أكفي إلى السماء داعياً الله بصدق وضراعة أن ينجيني ويلطف بأمري .

وحين خيم الظلام في مساء هذا اليوم الجمعة وتوارت الشمس تماماً عن أفق البحر الأحمر

توضأت من جديد وصليت المغرب والعشاء جمعاً وقصراً .

بعدها .. تمددت كا العادة وأصبحت أبحث عن النوم والهروب من هذا الواقع ولا شئ غير ذلك يمكنني فعلة .. وفي تلك الليلة ( ليلة السبت )

تواصلت زمجرة الموج وهديره .. وأصبحت أستيقظ مع كل هجمة موج جديدة .. ثم لا ألبث غير قليل حتى أغيب في النوم من جديد

فقد اعتدت على هذا السيناريو .. حتى كنت أستيقظ وأنام مراراً وتكراراً في تلك الليلة

لكن لم أكن لأعي ماهو الوقت وكم مضى من الليل .. فالظلام حالك .. ولا شئ غير الظلام .

و قبل الفجر بساعة أو ساعتين .. لست أدري .. أخذتني نومه طويلة .. بل مستغرقة جداً

فأنا لم أفق إلا بعد بزوغ الشمس من صبيحة يوم السبت وحين فتحت عيناي بصعوبة وتثاقل

أخذت أرى الشمس ساطعة وقد ارتفعت في الأفق وسهامها المشرقة تداعب عيناي المغمضة منذ تباكير الصباح الأولى دون أن أشعر .

ولم أكن بحاجة إلى طول تفكير .. حتى أدرك سبباً لساعات النوم المتواصلة

فالبحر في ذلك الصباح كان يتسم بهدوء غريب جداً .. والشمس بدت مشرقة على غير العادة

فالسكينة والدفء هما السببان في لذة النوم المتأخرة وقد أطربني وسرني رؤية البحر في ذلك الصباح وقد بدأ أشبه بمرآة تفترش سطح البحر

فليس هناك أمواج .. وليس هناك صخب .. حتى قاربي أصبح لا يتأرجح البتة .

ولكن سعادتي لم تدم غير قليل .. حتى أدركت حدثاً طارئاً جعل قلبي يهبط بين أرجلي من شدة الخوف

ذلك أن القارب يتكون من طبقتين هوائيتين .. فبصرت بالطبقة الأولى وقد سربت هوائها بالكامل

وأصبح جوف القارب بطبقته الثانية يقترب كثيراً وكثيراَ من سطح البحر .

فكنت أتساءل بألم وخشية .. كيف تسرب الهواء ؟ .. وهل سيتسرب هواء الطبقة الثانية هو الآخر.. ؟

تساؤلات مخيفة لست أجد لها جواباً في داخلي غير الترقب وتسليم المصير .

وقد يكون التساؤل الوحيد الذي استطيع أن أجد له إجابة محددة .. بل جازمةً .. هو أن القارب بوضعه الجديد

لن يستطيع الصمود أكثر من دقائق معدودة لو زمجر البحر من جديد وتعالت أمواجه العاتية كما في البارحة وقبل البارحة

وهنا أيضاً لست أجد غير تسليم المصير وانتظار ما كتبه الله في أجلي .

ولأن الشمس مشرقة هذا الصباح والموج لن يغمرني بمائه .. فقد ارتفعت قليلاً عن جوف القارب وجمعت ثوبي بعيداً عن قعره الممتلئ بالماء

حتى يذهب البلل من ثوبي وبدني ولأشعر بالدفء والحرارة .. فجسمي أهلكته البرودة في اليومين الماضيين

وبعد ذلك استلقيت على ظهري وأنا أشعر بجوع وخدر وهزال .. والكثير من اليأس والحيرة .

وفي تلك اللحظات الساهمة .. أخذ يتناهى إلى سمعي صوت خافت وغريب في نغمه .

فأرهفت سمعي جيداً .. والأمل أخذ يدب إلى قلبي .. بل لم استطع الصبر لحظة واحدة فقد سارعت إلى النهوض

ونظرت يمنة ويسرة .. وأكفي خلف أذناي يحدثان تركيز وإرهاف سمعي أكثر

ولكن لا فائدة .. لاشئ في الأفق .. فهناك البحر ولا شئ غير البحر

فنكست رأسي ورجعت إلى وضعي اليائس مرة أخرى .. ولكن لم ألبث غير دقائق قليلة .. حتى أصبح الصوت أكثر وضوحاً

فعاودني أمل النجاة من جديد .. و حين أدركت هذا الصوت لا يشبه هدير الموج أصبح الأمل يتضاعف في قلبي

فصوت الموج حفظته عن ظهر قلب .. أضف إلى هذا أن البحر في تلك اللحظات المرهفة ساكن جداً لا يحدث أدنى موج ..

فهذا الذي يتناهى إلى سمعي هو أشبه ما يكون بصوت محرك .. نعم هو أشبه ما يكون بمحرك قارب

وعندها أجهدت النظر وأخذت أرقب جيداً في سطح البحر .. ولكن لا فائدة لست أرى شيئاً البتة

حتى أخذ الصوت يقترب ويقترب ليصبح أكثر وضوحاً وحدة .. فكنت مشدوهاً مذهولاً لست أدري ما أفعل

حتى كنت أنظر في أمامي وعن يميني وعن يساري بشغف وترقب وانبهار.. ولكن لم تشاهد عيناي شيئاً البتة .

فهناك صوت ولا شئ غير الصوت .. حتى أصبحت أشك في حقيقة سماعي .. وأخذ يدب إلى قلبي هاجس الإيحاء وأحلام اليقظة .

لكن ذلك الصوت أصبح قريباً جداً وصخب المحركات لا يخفى إدراكه .. وهنا فقط .. التفت إلى الخلف

وهي الجهة الوحيدة التي كنت أمرر عليها نظري سريعاً دون تركيز أو عناية .. وهنا اتسعت عيناي عن أخرهما وفغرت فمي بشدة

وأصبحت أنظر وأنا لا أكاد أصدق .. أحقاً ما تراه عيناي ( لنش إنقاذ ) .. كنت أبصره بوضوح وهو يشق عباب الماء متجهاً إلى قاربي الصغير

وفي أعلى اللنش .. هناك راية التوحيد تخفق في الهواء .. فأدركت سريعاً أن هذا اللنش يتبع خفر السواحل السعودية

وعندها أصابني ما يشبه الهستريا والخوف من عدم رؤيتهم لقاربي .. فقد انتصبت سريعاً في بطن القارب

وأخذت ألوح بشدة وأصرخ بأقصى ما أستطيع .. ولم أزل في تواصل مع صخبي ونشاطي .. حتى توقف اللنش قريباً مني

ورمى أحد الطاقم بحبل غليظ .. وأمرني بربطه في قاربي الصغير

فلم أتمالك في تلك اللحظات .. غير أن خررت ساجداً في بطن القارب وتغطى وجهي بالماء الذي يسكن قعره

ولكن لم أحفل بذلك .. بل أخذت أتفوه بعبارات الشكر والحمد والثناء لله تعالى على أن يسر لي هؤلاء المنقذين .

وحين صعدت لنش الإنقاذ .. تلقفني أحد الأفراد سريعاً ولفني بلحاف سميك ثم منحني قليلاً من الماء وهو يطلب مني الهدوء والراحة .

وفي تلك اللحظات صاح أحد الأفراد وهو يطالع بمنظار مقرب قائلاً : ( هناك قارب نجاة ) .. فاتجه اللنش صوب مكانه .. وحين بلغناه

أحزنني بشده أن يكون فارغاً لا يمتطيه أحد .. ولم نلبث غير قليل حتى صاح مرة أخرى .. أشاهد قارب نجاة آخر

فسارع القائد إليه .. وحين اقتربنا منه إذا هو يحمل أحد الأخوان المصريين .. فتم إنقاذه با الطريقة نفسها .. ثم واصلنا البحث عن ناجين

حتى صاح من يطالع بالمنظار عن مشاهدته لقارب نجاة آخر .. وحين بلغنا مكانه .. كنّا على موعد مع مفاجأة جميلة

فقارب النجاة يكتظ بمجموعة الرجال .. فأخذت أسابق النظر إليهم وأنا أتمنى بشوق وترقب أن يكون صديقي عبدالإله أحد هؤلاء الناجين

ولكن لم يحدث هذا .. فجميع الناجين من الأخوان المصريين .. عدا سعودي واحد هو أخي المعاق ( الدوسري )

وهو الذي خرج وتحدث عبر قناة المجد الفضائية .

وبعد إنقاذ هؤلاء الحزمة من الرجال .. عاودنا البحث والتجوال من جديد .. وبعد مضي قرابة الساعتين دون العثور على أحد

توجه قائد اللنش صوب ميناء ضبا .. وحين بلغنا الميناء .. تلقفتنا الأيدي الطبية بالرعاية والعطف وتلمس الحاجات

وتلقفتنا العدسات الصحفية باللقاءات والتساؤلات والفضول المسرف .

ولم أمكث غير قليل في الميناء .. حتى دلفت في سيارة إسعاف مجهزة بالكامل ، انطلقت سريعاً إلى مستشفى تبوك التخصصي

وبعد تجاوزي مرحلة الثقة والاطمئنان على صحتي .. تم نقلي إلى فندق في وسط مدينة تبوك

وفي غرفة الفندق كنت على موعد عشق ولهفة وغرام مع سرير الغرفة

فارتميت في أحضانة .. وذهبت سريعاً في نومة مريحة ولذيذة بل مستغرقة جداً .

نومة لا يشوبها إطلاقاً .. هدير موج .. أو تأرجح قارب أو هاجس غـــــرق



((((( تمت )))))

[line]



ملاحظة

حتى هذه اللحظة ... يوم الجمعة 9/3/ 1427 هــ الثانية والنصف بعد الظهيرة

ليس هناك خبر صادق عن نجاة صديقي عبدالإله

لذا .. أسأل الله العلي القدير أن تقر عيني برؤية وجهه وتتشنف آذاني بسماع صوته وحديثه

وإن كان قدر الله وأجله المحتوم سبق إليه في عرصات البحر .. فأسأله بمنه وكرمه أن يتقبله شهيداً عنده
.
.
.
.
.
.



أعذب تحية للجميع [/align]







التوقيع

[align=center][/align]