
مذكرات ( أوراق الشجـره )
خرج الزائر الأخير من غرفة الكشف بالعيادة مودعا طبيبه فرجع الطبيب الكبير إلى مكتبه مجهدًا و استرخى في مقعده , ومد يده إلى المسجل القريب وضغط زراره فانطلقت الموسيقى الخافتة ثم جلس يتأمل بعمق وهو يتأمل الشجرة المعدنية الصغيرة الموضوعة فوق مكتبه منذ سنوات وتتدلى من فروعها أوراق على شكل براويز صغيرة يتضمن كل برواز منها صورة لأحد أفراد أسرته, فتتدلى من الفرع العلوي صورتان...
إحداهما له و الأخرى ( حنان ) زميلته القديمة بكلية الطب وحبيبة سنوات الشباب و الكفاح , وتتدلى من الفروع الوسطى صورتان ( لنهال ) الابنة الكبرى الحبيبة ( ووسام ) الابن الشاب الغالي , وتتدلى من الفروع السفلى صورتان أضيفتا حديثًا إلى الشجرة إحداهما لـ ( راكان ) خطيب نهال والثانية لـ( نشوى ) خطيبة وسام , وبقيت أوراق بقية الفروع خالية تنتظر من يشغلها بصور الأحفاد و الأحباء حين يجيئون إلى الحياة, فهل يمتد العمر لكي يرى كل الأوراق مشغولة بصورة هؤلاء الأحباء ؟ وهل يجئ اليوم الذي يحتاج فيه إلى إضافة فروع أخرى للشجرة القديمة لكي تتسع لكل الأعزاء ؟ ( حنان ) كانت صاحبة فكرة هذه الشجرة ومبتكرتها , وبحيويتها المألوفة وقدرتها على تنفيذ أفكارها توجهت بغير علمه إلى أحد محلات الفضة , وقدمت لصاحبه رسمًا للشجرة التي تريدها والفروع التي تتدلى منها الأوراق التي تصنع على هيئة براويز يمكن وضع الصور بها. وفي ذكرى عيد زواجها السادس , قدمت إليه هذه الشجرة الفضية وفيها صورته وصورتها وصورتا الابنين الغاليين , وطلبت منه أن يضعها على مكتبه بالعيادة ليتذكر دائما هذه الأسرة التي تحبه وتعتز به, ثم أضافت ضاحكة : ولكي تذكرك أيضا بمن يعتمدون عليك في حياتهم كلما حاولت إحدى مريضاتك إغوائك أو اجتذابك إليها ! فلازمته هذه الشجرة منذ ذلك الحين واستقرت فوق مكتبه بالعيادة , وتنقلت معه من عيادة الحي الشعبي الذي بدأ فيه حياته العملية إلى العيادة الجديدة التي افتتحها في إحدى العمارات الحديثة بالحي الراقي منذ عشر سنوات بعد أن حقق نجاحه وأصبح أستاذًا بكلية الطب له تلاميذه ومريدوه مثلما ارتقت أيضا زوجته و أصبحت أستاذة في تخصصها , وجنيا ثمار نجاحهما الوئيد خطوة بعد خطوة , فانتقلا من المسكن الضيق بالحي الشعبي إلى المسكن الواسع بالحي الراقي , وأصبحت لهما حياة اجتماعية لائقة, وتقدم الأبناء في مراحل التعليم وسعدت الأسرة الصغيرة بأوقاتها معًا , وبفترات الإجازات القصيرة التي تختلسها من مشاغل الحياة لتقضيها معًا . وزادت الإيرادات فأصبحت لها مدخرات تتراكم مع السنين , وجاءت الفرصة لاقتناء ( شاليه ) مستقل فلم تتردد ( حنان ) بحيويتها المألوفة في اقتناصها , ونهضت بمهمتها المحمودة في تأثيثه وتجميله حتى أصبح واحة صغيرة جميلة تهرب إليها الأسرة مساء الخميس من كل أسبوع , وترجع منها مساء الجمعة وتقضي بها العطلات و الأعياد و إجازة الصيف . ثم جاءته ( نهال ) الحبيبة ذات يوم لتقول له في حياء أن هناك شخصًا ما يريد أن يقابله وأنها ترجوه أن يترفق به حين يجئ إليه وألا يحرجه بالسؤال عن أحواله وإمكانياته المادية . وخفق قلب الأب حين سمع ذلك من ابنته ونظر إليها متعجبًا من نفسه وكأنما قد اكتشف في هذه اللحظة فقط أن ابنته لم تعد تلك الطفلة الحبيبة التي تغالي في إظهار حبها وحنانها لأبيها وأمها وشقيقها , وإنما قد استوت شابة جميلة بدأ قلبها يتفتح للحب ! وفي خجل مماثل لحيائها سألها برفق :: هل تحبينه ؟ وأغضت نهال ببصرها متوردة الخدين صامتة . فابتسم الأب وهو مضطرب المشاعر ثم اجتذب ابنته إليه وقبل جبهتها وطلب منها أن تدعو هذا الشخص لزيارته في بيته مؤكدا لها أنه سوف يترفق به ويقدر ظروفه . وجاء ( راكان ) في الموعد المحدد وللوهلة الأولى لم يستطع أن يحدد مشاعره تجاهه , هل ضاق به لأنه قد أصبح غريمه في قلب ابنته الحبيبة, أم سعد به لأنه كما رآه شاب مهذب خجول, يطرق البيوت من أبوابها وسوف يسعد به قلب ابنته . وانعكس تضارب مشاعره على معاملته له فتردد بين الترحيب به بحرارة وبين التحفظ اللا إرادي معه , ثم حسم الأمر بينه وبين نفسه بعد جلسة التعارف الأولى بالميل للترحيب به ومنحه الفرصة لأن يكتسب مودته وثقته. وشهدت الأسرة الصغيرة جدالاً عنيفًا لبعض الوقت حول هذا الشاب, فقد رأت ( حنان ) أنه وإن كان من أسرة طيبة إلا أنه لا يملك شيئا ولا يعد مستقبله بإمكان تغلبه على مشاكله المادية , وأيدها وسام في تشاؤمها فضاقت نهال برأي أمها وشقيقها واستنجدت بأبيها لينقذ حلمها من معارضة الأم والأخ, وبعد عدة لقاءات تالية بين الأب وهذا الشاب, حسم ( الأب ) الموقف بإعلان تأييده لاختيار ابنته وعارضت ( حنان ) بقوه في البداية حتى اضطر لأن يذكرها ببداياته معها وبدايتها هي أيضًا, حين كانا يرجعان من كلية الطب سائرين على الأقدام إلى الحي الذي يقيمان فيه توفيرا للنفقات.
وانتهى الأمر بقبول ( راكان ) وسعدت الابنة الغالية بانتصار الحب على المعوقات والعقبات, وحدد الأب لغريمه الجديد في قلب ابنته مواعيد محددة للزيارة وطالبه بالعمل بجد لكي يضع قدمه على أول الطريق, واستمرت الخطبة ( ثلاث سنوات ) تخرج خلالها ( راكان ) في كليته النظرية وعمل معيدًا بنفس كليته وتخرجت ( نهال ) في نفس تخصص خطيبها وألحقها الأب بعمل بإحدى الهيئات واشترى لابنته منزل ملائم , وقدّم للشاب كل التسهيلات اللازمة لإتمام الزواج . وتزوجت ( نهال ) في حفل جميل وانتقلت إلى بيت زوجها وأحس الأب بعد زواجها بفراغ رهيب اضطربت له مشاعره لعدة أسابيع تالية غير أن الحياة قد مضت في طريقها المعهود , وألف الأب خلو بيت الأسرة من زهرته الحانية وعرف مباهج جديدة عوضته عن حرمانه من وجود ابنته بالقرب منه, فأضيف إلى رحلات الأسرة الأسبوعية للشاليه وإلى إجازاتها وعطلاتها ضيف جديد, وأضيفت إلى الشجرة المعدنية صورة أخرى, وطابت الحياة لـ ( نهال ) مع شريكها الشاب . فلم يمض على زواجها بضعة أسابيع حتى وجد الأب ( وسام ) يهمس إليه قائلاً في تردد : أبى أريد أن أتحدث معك خارج البيت وخارج العيادة !
وخفق قلب الأب من جديد, وأدرك بحسه أن الدور قد جاء على وسام لأن يغادر البيت بعد قليل هو الآخر ويخلو مسكنه عليه وعلى ( حنان ) وحدهما , وفي الكافي القريب من المنزل جلسوا وبدأ الابن الشاب الحديث المرتقب عن أمله في السعادة ورغبته في الارتباط بمن اختارها قلبه , واتسعت ابتسامة الأب وهو يؤكد له تأييده له في هذا الأمل ثم تسائل : ولكن لماذا أردت أن تصرِّح لي بذلك بعيدًا عن البيت وبعيدًا عن أمك ؟ وجاءت الإجابة نذيرًا بالجحيم , فلقد اختار قلب الابن فتاة من أسرة مكافحة لم تحصل على شهادة جامعية , وجذورها الاجتماعية بسيطة , وقدّر الرفض المتوقع من جانب الأم الحريصة على المستوى العائلي و الاجتماعي للأسرة , فأراد الاستعانة بأبيه على معارضة أمه المتوقعة.
وانفجرت الأزمة على نحو أشد هذه المرة وتمسكت الأم برفض هذه الفتاة ورفض الموافقة عليها وطالت الجهود لإقناعها بها حتى هدّد الشاب بالخروج عن طاعة الأم وهجر البيت والزواج من فتاته و الإقامة معها في مسكن أسرتها البسيط. وفي مساء الخميس التالي رفض الابن أن يصحب أبويه في رحلتهما الأسبوعية إلى الشاليه ولم يعترض الأب على ذلك وإنما رآها فرصة ملائمة للانفراد بزوجته ومحاولة التوصل معها إلى حل وسط للمشكلة .
وفي الصباح المبكر رجاها أن تسلِّم بحقائق الحياة وتعترف بأنه إذا انعقدت إرادة الأبناء على اختيار لا يلقى قبول الأبوين فلن يكون لاستمرار رفضهما في النهاية من عائد إلا وضع هؤلاء الأبناء أمام الاختيار لصالح الآباء والأمهات فما جدوى استمرار المعارضة إلا دفعهم للخروج على طاعتنا ؟ وبكت ( حنان ) طويلاً واكتأبت وطال اكتئابها حتى اضطر لاستشارة أحد زملائه من أساتذة الطب النفسي في علاج الاكتئاب البسيط , واستغرق الأمر عدة أسابيع أخرى قبل أن تسلم فكريه بالأمر الواقع وتكف عن المعارضة , وبدأت خطوات الارتباط. وشهدت الأسرة عدة أزمات صغيرة بدأت كلها من جانب ( حنان ) ووجد نفسه خلالها حائرًا بينها وبين ابنهما ووصلت الأزمة إلى ذروتها حين خرجت ( حنان ) عن اتزانها واتهمت زوجها بمناصرة ابنها ضدها وتشجيعه على عدم الاعتداد برأيها , وأتبعت ذلك بمقاطعته وهجرها لغرفة نومه إلى غرفة ( نهال ) الخالية , حتى غضب هو الآخر وهجر البيت وأقام في العيادة , ونام على مائدة الكشف لعدة أيام , إلى أن فوجئ بـ ( حنان ) أمامه ذات مساء ترجوه العودة إلى بيته , وتعتذر له.
واشترى الأب لابنه الوحيد شقة مناسبة , وتم الزواج وخلا مسكن الأسرة منه إلا في المناسبات العائلية والعطلات , ودعوات الغداء أو العشاء . واضطربت حياة ( حنان ) بعد زواج ابنها اضطرابًا شديدًا فكثر استسلامها للصمت والاكتئاب, وكثرت مشاحناتها مع زوجها وتعاملها معه بعصبية وحدة , وازدادت هواجسها وشكوكها في الآخرين حتى امتدت إليه , وشهدت سماء الأسرة غيوما جديدة من نفس النوع حتى اضطر الأب للشكوى إلى ابنته الحبيبة من تصرفات أمها ورجاها التدخل لديها لإقناعها بخطأ شكوكها, واستجابت ( نهال ) , ورجعت للإقامة في بيت الأسرة بعض الوقت لتلازم أمها وتؤنس وحدتها , وتدفع الشك في إخلاص أبيها . ونجحت نجاحا مؤقتا في ذلك, واستقرت الأوضاع نسبيًا بعض الوقت لكن عاصفة الشكوك والاتهامات رجعت من جديد بصورة أشد وتوترت العلاقة بين الزوجين على نحو خطير لم تشهده من قبل , حتى اعتصم الزوج مرة أخرى بعيادته, وطلب تدخل الابنين بينه وبين أمهما.
وها قد مضى اليوم الخامس عشر منذ هجر البيت وأقام في العيادة ولم ينجح الابنان بعد في مساعيهما , فترى ماذا سيحمل له المستقبل من تطورات ومفاجآت, وكيف تعقدت الأمور على هذا النحو العجيب بين الزوجين اللذين تشاركا في رحلة الحب والسعادة لأكثر من 25 عاما؟
أفاق من خواطره على صوت دقة خفيفة على باب غرفة مكتبه فرفع بصره إلى الباب مترقبًا, ودخل الممرض العجوز الذي رافقه طوال سنوات العمل وقال له مبتسمًا : هل يريد الدكتور شيئا قبل أن أنصرف؟ فرد الطبيب الكبير في هدوء : شكرًا يا عم محمد , مع السلامة !
ألا تريد أن أحضر لك عشاء أو كوبا من الشاي ؟ شكرًا , مع السلامة.
فانسحب الممرض العجوز من الغرفة , وخلا الطبيب بنفسه فاستقرت نظرته مرة أخرى على الشجرة المعدنية التي تحمل صورة الأحباء والأعزاء وتساءل الصوت الباطني في أعماقه : هل من العدل أن تفقد الشجرة إحدى أوراقها بدلا من أن تستقبل أوراقا جديدة وليدة !
وهل كان ما سمعه من ( حنان ) في اللقاء الأخير بينهما عن طلبها للطلاق بعد هذا العمر مجرد تعبير خاطئ عن رغبتها في تحذيره من أي تورط عاطفي بعيدًا عنها , أم ترى إنها رغبة حقيقية لديها صنعها اضطراب أعصابها بعد زواج الابنين وإحساسها بتقدم العمر وشكها في قدرتها على الاحتفاظ به لنفسها دون الأخريات ؟ تنهد الطبيب الكبير بعمق , ثم نهض من وراء مكتبه متجهًا إلى غرفة الكشف وهو يفك أزرار قميصه استعدادًا لقضاء ليلة أخرى جافة وكئيبة على مائدة الكشف ..!
وبقي الزوج على هذا الحال , يصارع تفكيره العميق ...!
*************************

شكـرا , يا سيدتي , شكـرا
أنتي ملأت عبيرا في يديا , من لمست يديك
لو لم أبصر وطني الثاني في عينيك
لكانت هذه الدنيا , عذابا , عذابا ..!