
( أشياء مما قرأت )
وصل القطار فى موعده فى الثانية من بعد ظهر الخميس فغادره الضابط الوسيم الشاب وسعى بين الزحام حتى غادر المحطة .. وقف ينتظر سيارة أجرة فطال الوقت دون أن يلوح له أمل فاتجه إلى محطة الباصات وركب إحدى سيارته , فى الرابعة كان يدق جرس منزل الأسرة دقته المتقطعة المعروفة عنه , فانفتح الباب عن وجه أمه المبتهج وتلقته بالأحضان والقبلات , ومن خلفها جاء أبوه فاتحاً ذراعيه, 15 يوماً كاملة يغبها عن أبويه فى عمله البعيد عن مقر أقامة أهله , فيخلو عليهما المسكن بعد زواج شقيقته وهجرتها مع زوجها , ويخلصان للوحدة فلا يؤنسهما فى وحدتهما سوى أخبار وحيدتهما المهاجرة , وابنهما الغائب واجترار ذكريات رحلة العمل , الأب موظف كبير بالمعاش منذ عامين ,, والأم مدرسة اعتزلت المهنة بعد تقاعد الأب لتخفف عنه وحدته , يمضيان معاً معظم أوقات النهار والليل ويذهبان إلى النادى القريب فى الضحى ويعودان وقت الغداء فيقضيان المساء أمام التليفزيون .
تتغير رتابة الحياة عندهما حين يرن التليفون رنينه الطويل حاملاً صوت " رانيا " الملهوف دائماً بالشوق إلى أبويها من مهجرها فى كندا , يطمئنان على أخبارها ويسعدان بكل نجاح يحققه زوجها ويترقبان موعد عودتهما فى الأجازة مرة كل عامين كما يترقب المرء الأعياد .
أما" محمد " الابن الذى يعيش على بعد 200 كيلو متر فقط من سكن أهله فلا يحمل التليفون صوته من مقر وحدته العسكرية إلا نادراً .. ويعتذر عن ذلك كل مرة بأنه يدخر الشوق والكلام كله إلى حين مجيئه إليهما كل أسبوعين, قلوب الأبناء تختلف فى ضعفها عن قلوب الآباء والأمهات .. وقد عرفا ذلك فيئسا من حثه على الاتصال بهما كل حين .
مائدة الغداء يوم الخميس حين يعود ( محمد ) هى بهجة الأسرة حقاً ومتعتها , تستعد لها أمه من اليوم السابق , ويشترى لها الأب أحسن الطعام والفاكهة, أما " التورتة " فيحملها معه ( محمد ) ويصر على أن يأكل الأبوان منها حتى التخمة , حديث المائدة يدور حول أحداث الأسبوعين الماضيين فى حياة الابن .. وحكاياته لذيذة تثير ضحك الأم والأب من القلب .
لكن محمد يتعجل إنهاء الجلسة كل مرة وينهض متسرعاً رغم احتجاج الأم فيغتسل ويغير ملابسه .. ويواجه حرج الاستئذان فى الخروج قبل أن يرتوى شوق الأم إليه .
قالت له عاتبة :
ألا تصبر قليلاً على لقاء " خطيبتك " حتى تشبع من طعام الغذاء .. وتستريح من السفر ؟
فنظر إليها باسماً ومحرجاً .. وأنقذه أبوه من حرجه قائلاً له :
اذهب يا محمد .. وبلغ تحياتى للأستاذ أحمد ولا تتوقف أمام كلام أمك , فلو استطاعت لأبقتك إلى جوارها ولما سمحت لك بزيارة خطيبتك ولا بالعودة لعملك مساء غد .. فقبل الشاب امه وودع أباه وخرج . فى بيت فتاته .. وجد خطيبته فى انتظاره فى كامل زينتها فجلس مع أهلها بضع دقائق ثم استأذن فى الخروج معها .
راحة القلب تبدأ حقاً حين يخرجان من باب العمارة فتتشابك أذرعهما , ويمضى الوقت جميلاً سعيداً بلا حساب .. عرفها وهو طالب بالسنة النهائية بالكلية الحربية .. وهى طالبة بكلية الأقتصاد , وتم تعارفهما فى محل الحلوى والجاتوه بوسط المدينة . جمعت بينهما المصادفة وتعاهدا على الارتباط , تخرج فى كليته .. وتخرجت بعده وعلمت مدرسة , وتوجا الحب بالخطبة والاستعداد للزواج .. قالت له أمه حين أراد خطبتها معترضة :
ليست جميلة .. بالمرة وأنت وسيم وألف فتاة جميلة ترحب بك , فلماذا تحكم على نفسك بعشرة فتاة غير جميلة قد تملها بعد أن يهدأ الحب .. وتتلفت حولك باحثاً عما ينقصك ؟
فغضب لإهانة الحب ودافع عن فتاته بكل قواه.
أما أبوه فقد قال الجمال مسألة شخصية تخصه .. ولا شأن لنا بها .. المهم أن تسعد وأن تكون من أسرة طيبة .. وكم من فتاة جميلة شقى بها زوجها , وكم من فتاة غير جميلة سعد بها زوجها .
ثم جاءت تحرياته عن أهلها مؤكدة جدارتهم بالمصاهرة فمنحه تأييده بلا تحفظ , وتمت الخطبة وتنازلت الأم عن معارضتها الواهية إكراماً لابنها ورحبت بخطبته .. بل واستراحت بعد قليل إلى طيبتها وروحها الودود والوداعة .. ومع ذلك فكثيراً ما تعجبت للهفته عليها رغم ما تراه من افتقارها للجمال !
غادر الخطيبان سيارته فى وسط المدينة .. فاتجها إلى محل الجاتوة والحلوى الذى تعرفا فيه للمرة الأولى , وتناولا واقفين بعض قطع الجاتوه وهما يضحكان برنامج الحب كل أسبوعين يبدأ عندهما بهذا المحل الذى جمع بينهما على غير انتظار , غادراه فسارا فى الشارع ببطء وهما يتهامسان وتواصل حديثهما بلا انقطاع توقفا أمام دار سينما واستعرضا صور الفيلم المعلقة على جدرانها ... وتشاورا هل يمضيان الأمسية فى دار السينما .. أم يتجولان بلا هدف حتى نهايتها وقررا دخول السينما لا يختلف الأمر عندهما كثيراً ففى وداخل دار العرض سوف يتواصل همسهما وضحكهما الخافت إلى ما لا نهاية , وقد يخرجان منها دون أن يعيا شيئاً كثيراً من أحداث الفيلم , فكل شئ جميل فى صحبة من تحب وحتى أفلام الكارتون التى تسبق عرض الفيلم تلقى لديهما صدى أكثر بهجة من صداها لدى الأطفال .
انتهى عرض الفيلم وغادرا السينما .. فتمشيا ثم ركبا سيارتهم فأعادها إلى بيتها وعاد سعيداً منتشياً إلى بيته .
سيمضى معها كالعادة ظهر يوم الجمعة ويتناول الغداء على مائدة أسرتها وستخرج معه إلى محطة القطار .. وتجلس معه فى بوفيه المحطة يشربان الشاى , ثم تودعه على رصيف القطار حتى يغيب عن الأنظار .
الحب شئ ثمين يستحق العناء من أجله , فلا بأس إذن بأن يتحمل انتقاد أمه وشكواها الدائمة من أنه يقضى من أجازته مع " خطيبته " أكثر مما يقضيه مع أبويه , ولا بأس أيضاً بأن يتحمل راضياً سخريتها الخفيفة وتساؤلها عن سر" السحر " الذى سحرته به هذه الفتاة ليظل ملهوفاً عليها هكذا .
الحب سحر فى حد ذاته يا أمى .. وليس فى حاجه إلى جهد دجٌال , أما "الجمال" الذى تلمحين إليه كلما تساءلت هذا التساؤل ,فليس لى من جواب عليه سوى أنى أراها أجمل الجميلات , وإن لم تصدقينى فخذى عينى وانظرى إليها بهما !
استراح لأفكاره ففتح الباب ودخل إلى مسكنه , فوجد أبويه جالسين فى الصالة فى مجلسهما المعهود أمام التليفزيون , وتلقى نظرة أمه العاتبة وعبارتها الموحية" حمداً لله على السلامة " باسماً , ثم دخل إلى غرفته ليغير ملابسه .. قال لنفسه وهو يخلع قميصه , أمى طيبة وتحبنى .. وهى نفسها مثال " للحب " الذى تتعجب منه, لكن حب الأم لأبنائها قد ينسيها أحياناً بعض حقوقهم فى الحب .. ويثير حبهم للأخريات غيرتها الغريزية ! كل تصرفاتها تنطق بحبها لأبى .. وكل تصرفات أبى تؤكد نفس الشئ .. حتى أنا لم أفهم مغزى مبادرتها بطلب التقاعد من عملها حين أحيل أبى للمعاش إلا حين شرحته لى فتاتى , وقالت لى إنه أكبر دليل على الحب العميق .. وجلستهما الآمنة أمام التليفزيون كل مساء التى يظللها دائماً العطف والفهم مثال آخر للحب , و" رانيا " لم تتزوج إلا بمن أحبت , وحين اعترض أبى على خطبتها لمن تزوجته بسبب اعتزامه الهجرة قالت له أمامى :
إنها تحبه وسوف تهنأ معه فى أى مكان يعيش فيه, فلا تقف فى طريقها .
وما زالت بأبى حتى تنازل عن معارضته .. فماذا إذن تنكر على الحب ؟
طالت غيبته بعض الشئ فى غرفته فقالت الأم لزوجها :
لم يسترح من عناء السفر ... وأنهكته " حبيبته " بالخروج والنزهة وليتها كانت جميلة بعد كل هذا العناء ... لكنه أعمى !
فداعب الأب مسبحته وقال لها مصطنعا الجدية :
" العمى " .. مرض وراثى فى أسرتى .. ألا ترين أننى أحببتك حين خطبتك .. وظللت على حبى لك حتى الآن .. رغم أنك لم تكونى جميلة ؟
فلم تتمالك نفسها من الضحك والابتهاج لكلماته وقالت له راضية :
سأتجاوز عن " طول اللسان " مقابل الكلام الحلو الذى سبقه ... ربنا يكرمك !
فربٌت على يدها مشجعا , لم تكن جميلة ؟ لقد كانت أجمل الجميلات .. وما زالت رغم تجاوزها الخمسين بعامين متعة بصرى , وإطمئنان قلبى .. ورفيقة عمري , اختلطت خيوطى بخيوطها فجدلت حبلاً واحداً يصعب فصمه , ووقفت إلى جواري فى كفاح الشباب وفى كل محن حياتى .. وواستنى فى أحزانى .. وسعدت بأفراحى .. وتوجت كل ذلك بطلبها التقاعد مختارة , حتى لا تدعنى للوحدة والفراغ حين أحلت إلى المعاش لم أطلب منها ذلك بل وعارضتها فيه , لكنها غلبتنى بحكمتها وقالت لى :
عملت بما فيه الكفاية ومعاشى ومعاشك يكفلان لنا حياة كريمة .. وابنانا تخرجا وعملا .. وآن لنا أن نستمتع بصحبتنا وحياتنا معا التى شغلتنا عنها الشواغل والأعباء , كما أننى لن أسعد إذا تركتك وحيداً فى الشقة فى الصباح ..
فرفعت يدى مسلماً بحجتها .. وأضفت صنيعها إلى رصيدها الكبير عندى .
عاد الابن إلى الصالة .. فنهضت الأم لإحضار بضعة سندوتشات خفيفة مع الشاى .. وتناولوا طعامهم هانئين .. وهم يتسامرون ويتنقلون بين السمر وبين مشاهدة تمثيلية السهرة فى التليفزيون .. ومضى الوقت رخياً طيباً حتى قطعت الأم مشاهدتها التليفزيون بسؤال ابنها فجأة :
برضه .. لن تتناول طعام الغداء معنا غداً ؟
فاحمر وجه ابنها الشاب ولم يجد ما يقوله , وأشفق عليه الأب فنظر إلى زوجته من خلف ظهر ابنه محذراً ومنبهاً , وأدركت الأم ما أثارته من حرج فى نفس ابنها وارتبكت قليلاً ثم قالت كأنما تجيب على نظرة زوجها :ربنا يعمل ما فيه الخير !
ونهضت إلى غرفة نومها , فالتفت الأب إلى ابنه وقال له :
أمك ذهبت للنوم .. فاحك لى يا بطل ماذا فعلت الليلة مع خطيبتك ؟
وتورد وجه الشاب بالبشر وراح يحكى لأبيه وهو صديقه الحميم تفاصيل لقائه بخطيبته وما دار بينهما من حديث .. حتى حديث الحب .. والأب يسمع باهتمام وتشجيع إلى أن سمعا صوت الأم من غرفة نومها ينادى الأب :
حسين .. ألن تأتى للنوم بعد ؟
فنهض الأب متثاقلا وهو يقول لابنه الشاب باسماً :
" أمك " تنادينى من الداخل .. بعد إذنك
فضحك الابن من قلبه وتبادل مع أبيه تحية المساء
ثم راقبه وهو يتجه بجسمه الطويل الذى لم يوهنه السن وإنما بدا فى مرحلة الشيخوخة أكثر مهابة وجلالا .. ونظر إليه وهو يغيب خلف باب غرفة النوم نظرة ملؤها الحب .. والإعجاب .. والاحترام !
*********************************

كلما ألتصقت يدي في يديك
تخرج من يديك الورود
وعطـر اليـاسمـين ..
وكل الساعات الثمينة
التي أقتنيتها قبل أن أحبك
توقفت عن العمـل ..
ولم يبقى في يدي
الا سـاعة حبـك ..!