[align=center]كلما دخلت على أمي - حفظها الله - قادما من البر قالت لي بشكل استهجاني : هل معك شيء من الربلة ؟ أو البسباس ؟ إنما تخرجون للضحك واللعب فقط !!
وصاحب لي أيضا يقول إن جده لم يقتنع بالخروج إلى البر بهذه الطريقة ..
يظهر والله أعلم أن آباءنا وأجدادنا الأدنين كانوا يعيشون حياة رهيبة وجادة لايمكن لأحد أن يخرج عن نسقها للعب والترويح ..
بين عيني الآن صورة قديمة لأهلي وهم يجمعون أكواما من الربلة ورائحتها الفريدة تملأ صندوق السيارة الداتسون ..
وشيء آخر يمكننا قوله أيضا .. وهو أن الأمن في زمنهم أو قريبا منه كان منفلتا بحيث لايمكن للمرء أن ينفرد مع مجموعة صغيرة أو مع عائلته في عمق الصحراء دون أي سلاح ..
أدام الله علينا وعلى المسلمين نعمة الأمن في الأوطان ..
وأما نحن اليوم فإننا لانخرج بحثا عن الحشائش لمواشينا .. ولا لغير ذلك مما كانوا يخرجون لأجله إلا أن يكون متعة وترويحا ..
وهو ترويح مباح ولله الحمد .. بل إنه ربما انقلب إلى عبادة إذا تفكر المرء في ملكوت الله وازداد شكره لربه بذلك .. والأول يقول :
تأمل في نبات الأرض وانظر** إلى آثار ما صنع المليكُ
عيون من لجين شاخصــــات **بأبصارهي الذهب السبيكُ
على قصب الزبرجد شاهدات** بأن الله ليس له شريكُ
ولأننا أيها الأحبة نعيش في بيئة صحراوية جافة .. وصخور صماء .. فإننا نركض خلف الغيوم .. ونسأل عن مواطن القطر .. ومنابت الشجر ..
وهذا ربما يفسر لنا شيئا مما نبديه من الحب للرحلات ..
في أحد الأيام كنا نازلين في واد أخضر في الشمال من المملكة وكان المطر ينزل علينا طوال اليوم فقال لنا أحد الأصحاب ضاحكا : ألا تعلمون أن المسلمين يدعون عليكم الآن !! وقبل أن نأكله بعيوننا
.. استدرك قائلا : أوليسوا يرفعون أيديهم داعين ( اللهم على الشعاب وعلى بطون الأودية ) ؟
أنتم الذين جئتم بأقدامكم إلى مكان دعوة المسلمين ..
هذا صحيح .. فنحن نخرج إلى البر لنملأ أعيننا بهذه الخضرة وهذه الزهور التي نبتت على طبيعتها .. وهذه الزهور وهذه الخضرة لاتنبت عندنا إلا في مواسم قليلة نسبيا وفي أماكن محدودة أيضا .. بل إن أرض نجد تتحول إلى جسد ساحر حينما تتزين روابيها بالخضرة ويهب فيها الصبا حتى لقد رق ابن الدمينة لحظة فقال :
أَلا يا صَبا نجد متى هِجتِ من نجدِ ** لقَد زادني مسراك وجدا على وجدِ
أأن هتفَت ورقاءُ في رونق الضُحى ** على فَنن غض النبات من الرندِ
بكيتَ كما يبكي الوليد ولم تكن ** جَليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي
وحنت قَلُوصي من عَدَانَ إِلى نَجدِ ** ولم يُنسِها أَوطَانَها قدمُ العهِدِ
كما يقول أيضا مشبها لوعة المحبين لنجد بلوعته حيث يقول :
وما وجدُ أَعرابِية قَذفَت بِها ** صروفُ النوى من حيث لم تك ظَنت
تمنت أَحاليبَ الرعاءِ وخيمةً ** بِنجد فَلم يُقدَر لها ما تمنتِ
إِذا ذَكَرَت ماءَ العضاه وطيبه ** وبرد الحصى من بَطنِ خَبتٍ أرنَّتِ
بِأَعظَمَ منى لَوعَةً غَيرَ أنني ** أجَمجمُ أحشائي على ما أَجنتِ
وابن الرومي يعرض بنوح الإبل في نجد وشدة حنينها حين قال في رثاء ابنه :
وإني وإن متعت بابني بعده ** لذاكره ماحنت النيب في نجد
وامرؤ القيس في معلقته الشهيرة ينوه بسقط اللوى والدخول وحومل وتوضح والمقراة قائلا :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ** بسقط اللوى بين الدخول وحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها ** لما نسجتها من جنوب وشمأل
ومن أعجب مارأيت هذه الأيام كتابا يناقش مواطن هذا البيت اسمه ( امرؤ القيس بين الدخول وحومل ) لمؤلف من الدوادمي اسمه : عبدالله الشايع وكان بحق كتابا جميلا وجدت فيه كثيرا مما أردت معرفته
وليأذن لي المقام بعد عرض شيء من قصائد الفحول بذكر أبيات لكرمع يناغي فيها هذا الموطن الساحر عندما كان بعيدا عنها يقول :
أنسيت وجه فتاك يانجد ؟ ** أم طال بعد رحيلي العهد ؟
طفل وفي عينيه أغنية ** جذلى .. ويورق تحته المهد
طفل تهادى بين أضلعه ** نيب يثور بمشيها الوجد
ماناح قمري على فنن ** إلا ونار الشوق تشتد
وهناك حول الماء شنشنة ** ليلى تحاور حبها دعد
والمدنفون خيولهم ضبحت ** للماء .. أو نحو الهوى تعدو
ويكون مسرح عاشقين هنا ** غزل .. وذا طلل .. وذا وعد
يتمنعون على اللقاء كما ** وعدت وما قد أنجزت هند !
والقصيدة ليست بالصورة التي كتبتها لكم ولكني تصرفت في حذف كثير منها ..
أعود فأقول إننا نبحث عن الربيع مظانه .. ونقطع المسافات من أجل ذلك ..
تصوروا أنه في عطلة الربيع الماضية استوقفني ثلاثة مسافرين متفرقين في طريق القصيم الرياض السريع وكلهم يقول : جئت من الشمال وقد سمعت بأن الربيع هنا مابين القصيم والرياض ..
ونحن أيضا كذلك .. نقطع المسافات الطويلة بحثا عن هذه الخضرة ..
التقنية نفسها ساهمت في هذا أيضا .. كما ساهمت بتشجيع أولئك الذين لايحبون الرحلات البرية على الخروج إليها ..
أجهزة الملاحة .. الخيام والأشرعة المتينة السهلة .. أدوات الطبخ بأشكال جذابة تتناسب مع الرحلات .. المنتديات الإلكترونية المتخصصة .. أجهزة النداء مثل الكنود والجوال وغيرها .. وحتى برامج التلفزيون ذات الطابع المتخصص بالرحلات والكشتات ..
وبالمناسبة فإنني لم أسمع لغطا في برنامج أكثر منه في برنامج كشتات على شاشة المجد .. ولكننا اتفقنا أخيرا أنا وأصحابي على نتيجة حقنا بها كثيرا من المودة وقطعنا بها كثيرا من اللجاج وهو أنه ( لايتابع برنامج كشتات إلا الذين لايعرفون الكشتات ) ولكم أن تقتنعوا بما شئتم من الرأي والله أعلم : 12
اسمحوا لي أن أكمل حديثي في رد آخر أيها الأحبة ..[/align]