وقوله : ( أو يأخذهم على تخوف ) أي : أو يأخذهم الله في حال خوفهم من أخذه لهم ، فإنه يكون أبلغ وأشد حالة الأخذ ; فإن حصول ما يتوقع مع الخوف شديد ; ولهذا قال العوفي ، عن ابن عباس : ( أو يأخذهم على تخوف ) يقول : إن شئت أخذته على أثر موت صاحبه وتخوفه بذلك . وكذا روي عن مجاهد ، والضحاك ، وقتادة وغيرهم .
يعني بالليل قليلا ما يهجعون ، وقوله : ( يدعون ربهم ) أي يصلون ، فإن الدعاء والصلاة من باب واحد في المعنى ، أو يطلبونه وهذا لا ينافي الأول لأن الطلب قد يكون بالصلاة ، والحمل على الأول أولى لأنه قال بعده : ( ومما رزقناهم ينفقون ) وفي أكثر المواضع التي ذكر فيها الزكاة ذكر الصلاة قبلها كقوله تعالى : ( ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) [ البقرة : 3 ] ، وقوله : ( خوفا وطمعا ) يحتمل أن يكون مفعولا له ، ويحتمل أن يكون حالا أي خائفين طامعين كقولك جاءوني زورا أي زائرين ، وكأن في الآية الأولى إشارة إلى المرتبة العالية وهي العبادة لوجه الله تعالى مع الذهول عن الخوف والطمع بدليل قوله تعالى : ( إذا ذكروا بها خروا ) فإنه يدل على أن عند مجرد الذكر يوجد منهم السجود وإن لم يكن خوف وطمع . وفي الآية الثانية إشارة إلى المرتبتين الأخيرتين وهي العبادة خوفا ، كمن يخدم الملك الجبار مخافة سطوته أو يخدم الملك الجواد طمعا في بره ، ثم بين ما يكون لهم جزاء فعلهم .
قرأ قارئ عند عمر رضي الله عنه
قوله تعالى:
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (24)محمد
وعنده شاب فقال: اللهم عليها أقفالها، وبيدك مفاتيحها، لايفتحها سواك؛
فعرّفها له عمر ، وزادته خيراً
تفسير الطبري58/26
قال عبد الله بن المبارك : حدثنا صالح المري ، عن قتادة ، عن ابن عباس أنه قال : إن الله استبطأ قلوب المهاجرين فعاتبهم على رأس ثلاث عشرة من نزول القرآن ، فقال : ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) الآية ، رواه ابن أبي حاتم ، عن الحسن بن محمد بن الصباح ، عن حسين المروزي ، عن ابن المبارك به .
ثم قال هو ومسلم : حدثنا يونس بن عبد الأعلى ، أخبرنا ابن وهب ، أخبرني عمرو بن الحارث ، عن سعيد بن أبي هلال - يعني الليث - عن عون بن عبد الله ، عن أبيه ، عن ابن مسعود ، رضي الله عنه ، قال : ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ) [ الآية ] إلا أربع سنين
كذا رواه مسلم في آخر الكتاب . وأخرجه النسائي عند تفسير هذه الآية ، عن هارون بن سعيد الأيلي ، عن ابن وهب ، به ، وقد رواه ابن ماجه من حديث موسى بن يعقوب الزمعي ، عن أبي حزم ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، مثله ، فجعله من مسند بن الزبير . لكن رواه البزار في مسنده من طريق موسى بن يعقوب ، عن أبي حازم ، عن عامر ، عن ابن الزبير ، [ ص: 20 ] عن ابن مسعود ، فذكره
لما استوعبت السورة أغراض التنويه بالرسالة والقرآن ، وما تضمنته من توحيد الله ، ومن صفة كبرياء المعاندين وتعللاتهم ، وأحوال المؤمنين ، وأقيمت الحجج الدامغة للمعرضين ، ختمت بأمر الله رسوله عليه الصلاة والسلام أن يخاطب المشركين بكلمة جامعة يزال بها غرورهم وإعجابهم بأنفسهم وحسبانهم أنهم قد شفوا غليلهم من الرسول بالإعراض عن دعوته وتوركهم في مجادلته ؛ فبين لهم حقارتهم عند الله تعالى ، وأنه ما بعث إليهم رسوله وخاطبهم بكتابه إلا رحمة منه بهم لإصلاح حالهم وقطعا لعذرهم فإذ كذبوا فسوف يحل بهم العذاب .
و ( ما ) من قوله ( ما يعبأ ) نافية . وتركيب : ما يعبأ به ، يدل على التحقير وضده عبأ به يفيد الحفاوة .
ومعنى ( ما يعبأ ) : ما يبالي وما يهتم ، والدعاء : الدعوة إلى شيء ، وهو هنا مضاف إلى مفعوله ، والفاعل يدل عليه ( ربي ) أي : لولا دعاؤه إياكم ، أي : لولا أنه يدعوكم . وحذف متعلق الدعاء لظهوره من قوله : ( فقد كذبتم ) ، أي : الداعي وهو محمد - صلى الله عليه وسلم - ، فتعين أن الدعاء الدعوة إلى الإسلام . والمعنى : أن الله لا يلحقه من ذلك انتفاع ولا اعتزاز بكم . وهذا كقوله تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون ) .
وضمير الخطاب في قوله : ( دعاؤكم ) موجه إلى المشركين بدليل تفريع ( فقد كذبتم ) عليه وهو تهديد لهم ، أي : فقد كذبتم الداعي وهو الرسول - عليه الصلاة والسلام . وهذا التفسير هو الذي يقتضيه المعنى ، ويؤيده قول مجاهد والكلبي والفراء . وقد فسر بعض المفسرين الدعاء بالعبادة فجعلوا الخطاب موجها إلى المسلمين فترتب على ذلك التفسير تكلفات وقد أغنى عن التعرض إليها اعتماد المعنى الصحيح فمن شاء فلينظرها بتأمل ليعلم أنها لا داعي إليها .
وتفريع ( فقد كذبتم ) على قوله : ( لولا دعاؤكم ) ، والتقدير : فقد دعاكم إلى الإسلام فكذبتم الذي دعاكم على لسانه .
والضمير في ( يكون ) عائد إلى التكذيب المأخوذ من ( كذبتم ) ، أي سوف يكون تكذيبهم لزاما لكم ، أي لازما لا انفكاك لكم منه . وهذا تهديد بعواقب التكذيب تهديدا مهولا بما فيه من الإبهام كما تقول للجاني : قد جعلت كذا فسوف تتحمل ما فعلت . ودخل في هذا الوعيد ما يحل بهم في الدنيا من قتل وأسر وهزيمة وما يحل بهم في الآخرة من العذاب .
واللزام : مصدر لازم ، وقد صيغ على زنة المفاعلة لإفادة اللزوم ، أي عدم المفارقة ، قال تعالى : ( ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما ) في سورة طه . والضمير المستتر في ( كان ) عائد إلى عذاب الآخرة في قوله : ( ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ) فالإخبار باللزام من باب الإخبار بالمصدر للمبالغة . وقد اجتمع فيه [ ص: 87 ] مبالغتان : مبالغة في صيغته تفيد قوة لزومه ، ومبالغة في الإخبار به تفيد تحقيق ثبوت الوصف .
وعن ابن مسعود وأبي بن كعب : اللزام : عذاب يوم بدر . ومرادهما بذلك أنه جزئي من جزيئات اللزام الموعود لهم . ولعل ذلك شاع حتى صار اللزام كالعلم بالغلبة على يوم بدر . وفي الصحيح عن ابن مسعود : خمس قد مضين : الدخان ، والقمر ، والروم ، والبطشة ، واللزام . يعني أن اللزام غير عذاب الآخرة .
قال أبو جعفر : يعني بذلك جل ثناؤه : ولئن متم أو قتلتم ، أيها المؤمنون ، فإن إلى الله مرجعكم ومحشركم ، فيجازيكم بأعمالكم ، فآثروا ما يقربكم من الله ويوجب لكم رضاه ، ويقربكم من الجنة ، من الجهاد في سبيل الله والعمل بطاعته ، على الركون إلى الدنيا وما تجمعون فيها من حطامها الذي هو غير باق لكم ، بل هو زائل عنكم ، وعلى ترك طاعة الله والجهاد ، فإن ذلك يبعدكم عن ربكم ، ويوجب لكم سخطه ، ويقربكم من النار .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن إسحاق :
8118 - حدثنا ابن حميد قال : حدثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : " ولئن متم أو قتلتم " ، أي ذلك كان" لإلى الله تحشرون " ، أي : أن إلى الله المرجع ، فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا تغتروا بها ، وليكن الجهاد وما رغبكم الله فيه منه ، آثر عندكم منها .
وأدخلت"اللام" في قوله : " لإلى الله تحشرون " ، لدخولها في قوله : "ولئن" . ولو كانت"اللام" مؤخرة إلى قوله : "تحشرون" ، لأحدثت"النون" الثقيلة فيه ، كما تقول في الكلام : "لئن أحسنت إلي لأحسنن إليك" بنون مثقلة . فكان كذلك قوله : ولئن متم أو قتلتم لتحشرن إلى الله ، ولكن لما حيل بين"اللام" وبين"تحشرون" بالصفة ، أدخلت في الصفة ، وسلمت"تحشرون" ، [ ص: 340 ] فلم تدخلها"النون" الثقيلة ، كما تقول في الكلام : "لئن أحسنت إلي لإليك أحسن" ، بغير"نون" مثقلة .
قال تعالى : (( قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ )) هذه الآية الكريمة نتيجة للآية السابقة والتي ذكرت المسيحيين باتهامهم وكذبهم على الله تعالى بأن المسيح هو ابن الله (( قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ))، فكانت هذه الآية الكريمة محل البحث انذاراً لهم بسوء العاقبة بوصفهم بالكذب والافتراء على الله تعالى فهم يقولون بما لايعلمون...
واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك . فقال بعضهم : عنى به اختصام المؤمنين والكافرين ، واختصام المظلوم والظالم .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا علي قال : ثنا أبو صالح قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس في قوله : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) يقول : يخاصم الصادق الكاذب ، والمظلوم الظالم ، والمهتدي الضال ، والضعيف المستكبر .
حدثني ابن البرقي قال : ثنا ابن أبي مريم قال : ثنا ابن الدراوردي قال : ثني محمد بن عمرو عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب بن الزبير قال : لما نزلت هذه الآية : ( إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) قال الزبير : يا رسول الله ، أينكر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ فقال النبي : - صلى الله عليه وسلم - " نعم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه .
وقال آخرون : بل عني بذلك اختصام أهل الإسلام .
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد قال : ثنا يعقوب ، عن جعفر عن سعيد ، عن ابن عمر قال : نزلت علينا هذه الآية وما ندري ما تفسيرها حتى وقعت الفتنة ، [ ص: 288 ] فقلنا : هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) .
حدثني يعقوب قال : ثنا ابن علية قال : ثنا ابن عون عن إبراهيم قال : لما نزلت : ( إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم ) . . . الآية قالوا : ما خصومتنا بيننا ونحن إخوان قال : فلما قتل عثمان بن عفان قالوا : هذه خصومتنا بيننا .
وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : عني بذلك : إنك يا محمد ستموت ، وإنكم - أيها الناس - ستموتون ، ثم إن جميعكم - أيها الناس - تختصمون عند ربكم ، مؤمنكم وكافركم ، ومحقوكم ومبطلوكم ، وظالموكم ومظلوموكم ، حتى يؤخذ لكل منكم - ممن لصاحبه قبله حق - حقه .
وإنما قلنا هذا القول أولى بالصواب ؛ لأن الله عم بقوله : ( ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ) خطاب جميع عباده ، فلم يخصص بذلك منهم بعضا دون بعض ، فذلك على عمومه على ما عمه الله به ، وقد تنزل الآية في معنى ، ثم يكون داخلا في حكمها كل ما كان في معنى ما نزلت به .
وقوله : ( فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جاءه ) يقول - تعالى ذكره - : فمن من خلق الله أعظم فرية ممن كذب على الله ، فادعى أن له ولدا وصاحبة ، أو أنه حرم ما لم يحرمه من المطاعم ( وكذب بالصدق إذ جاءه ) يقول : وكذب بكتاب الله إذ أنزله على محمد ، وابتعثه الله به رسولا وأنكر قول لا إله إلا الله .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل .
[ ص: 289 ] ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر قال : ثنا يزيد قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ( وكذب بالصدق إذ جاءه ) : أي بالقرآن .
وقوله : ( أليس في جهنم مثوى للكافرين ) يقول - تبارك وتعالى - : أليس في النار مأوى ومسكن لمن كفر بالله ، وامتنع من تصديق محمد - صلى الله عليه وسلم - واتباعه على ما يدعوه إليه مما أتاه به من عند الله من التوحيد ، وحكم القرآن ؟
( كأمثال اللؤلؤ المكنون ) المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي . ويروى : أنه يسطع نور في الجنة ، قالوا : وما هذا ؟ قالوا : ضوء ثغر حوراء ضحكت في وجه زوجها .
ويروى أن الحوراء إذا مشت يسمع تقديس الخلاخل من ساقيها وتمجيد الأسورة من ساعديها ، وإن عقد الياقوت ليضحك من نحرها ، وفي رجليها نعلان من ذهب شراكهما من لؤلؤ يصران بالتسبيح . ( جزاء بما كانوا يعملون ) .
( لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا ) أي قولا ( سلاما سلاما ) نصبهما اتباعا لقوله " قيلا " أي يسمعون قيلا سلاما سلاما . قال عطاء : يحيي بعضهم بعضا بالسلام . ثم ذكر أصحاب اليمين وعجب من شأنهم فقال - جل ذكره - : ( وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ( في سدر مخضود ) لا شوك فيه كأنه خضد شوكه ، أي قطع ونزع منه ، هذا قول ابن عباس وعكرمة .
وقال الحسن . لا يعقر الأيدي . قال ابن كيسان : هو الذي لا أذى فيه . قال : وليس شيء من ثمر الجنة في غلف كما يكون في الدنيا من الباقلاء وغيره بل كلها مأكول ومشروب ومشموم ومنظور إليه . قال الضحاك ومجاهد : هو الموقر حملا .
قال سعيد بن جبير : ثمارها أعظم من القلال . .
قال أبو العالية والضحاك : نظر المسلمون إلى وج - وهو واد مخصب بالطائف - فأعجبهم سدرها وقالوا يا ليت لنا مثل هذا فأنزل الله هذه الآية
قوله - عز وجل - : ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال ) الآية . أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده ، عرضها على السماوات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم وإن ضيعوها عذبهم ، وهذا قول ابن عباس .
وقال ابن مسعود : الأمانة : أداء الصلوات ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وصدق الحديث ، وقضاء الدين ، والعدل في المكيال والميزان ، وأشد من هذا كله الودائع .
وقال مجاهد : الأمانة : الفرائض ، وقضاء الدين .
وقال أبو العالية : ما أمروا به ونهوا عنه
وقال زيد بن أسلم : هو الصوم ، والغسل من الجنابة ، وما يخفى من الشرائع .
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله من الإنسان فرجه وقال : هذه أمانة استودعتكها ، فالفرج أمانة ، والأذن أمانة ، والعين أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، ولا إيمان لمن لا أمانة له .
وقال بعضهم : هي أمانات الناس والوفاء بالعهود ، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير ، وهي رواية الضحاك عن ابن عباس ، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السماوات والأرض والجبال ، هذا قول ابن عباس وجماعة من التابعين وأكثر السلف ، فقال لهن أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟ قلن : وما فيها ؟ قال : إن أحسنتن جوزيتن وإن عصيتن عوقبتن ، فقلن : لا يا ربنا ، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا ، وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة ، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها ، والجمادات كلها خاضعة لله - عز وجل - مطيعة ساجدة له كما قال جل ذكره للسماوات والأرض : " ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " ( فصلت - 11 ) ، وقال للحجارة : " وإن منها لما يهبط من خشية الله " ( البقرة - 74 ) ، وقال تعالى : " ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب " ( الحج - 18 ) الآية .
وقال بعض أهل العلم : ركب الله - عز وجل - فيهن العقل والفهم حين عرض الأمانة عليهن حتى عقلن الخطاب وأجبن بما أجبن .
وقال بعضهم : المراد من العرض على السماوات والأرض هو العرض على أهل السماوات والأرض ، عرضها على من فيها من الملائكة . [ ص: 381 ]
وقيل : على أهلها كلها دون أعيانها ، كقوله تعالى : " واسأل القرية " ( يوسف - 82 ) ، أي : أهل القرية . والأول أصح وهو قول العلماء .
( فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ) أي : خفن من الأمانة أن لا يؤدينها فيلحقهن العقاب ( وحملها الإنسان ) يعني : آدم عليه السلام ، فقال الله لآدم : إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها فهل أنت آخذها بما فيها ؟ قال : يا رب وما فيها ؟ قال إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت ، فتحملها آدم ، وقال : بين أذني وعاتقي ، قال الله تعالى : أما إذا تحملت فسأعينك ، اجعل لبصرك حجابا فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك فأرخ عليه حجابه ، واجعل للسانك لحيين غلقا فإذا غشيت فأغلق ، واجعل لفرجك لباسا فلا تكشفه على ما حرمت عليك .
هذا ثناء من الله سبحانه على العلماء وبيان لعظمة منزلتهم ولعظم فضلهم على الناس .
والمراد بذلك العلماء بالله علماء الشريعة علماء القرآن والسنة الذين يخافون الله ويراقبونه هم المرادون
هنا يعني الخشية الكاملة إنما يخشى الله يعني الخشية الكاملة خشيتهم أكمل من خشية غيرهم
وإلا فكل مؤمن يخشى الله كل مسلم يخشى الله لكنها تتفاوت فليس خشية العلماء المتبصرين
علماء الحق علماء الشريعة ليست خشيتهم مثل خشية عامة المسلمين بل هي أكمل وأعظم.
ولهذا يراقبون الله ويعلمون عباد الله ويقفون عند حدود الله وينفذون أوامر الله
فأعمالهم تطابق أقوالهم وتطابق علمهم فهم أكمل الناس خشية لله عز وجل
وليس معناها أن المؤمن لا يخشى الله لا،
مراد الرب جل وعلا حصر الكمال مثل ما قال جل وعلا
( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون ) الآية
ليس معناها أن الذي لا يوجل قلبه عند ذكر الله أو لا يزداد إيمانه عند ذكر الله ليس بمؤمن لا،
بل المراد أن هؤلاء هم المؤمنون الكمل هم المؤمنون الذين لديهم كمال إيمان وقوة إيمان .
وهكذا قوله جل وعلا ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون ) معناها المؤمنون الكمل الذين كمل إيمانهم
وليس معناها أن من لم يجاهد فلا إيمان له بل له إيمان بقدره على حسب حاله وقدرته
فالمقصود من ذلك كله بيان الكمال كمال خشية الله وكمال الإيمان
وإلا فالمؤمنون جميعا رجالا ونساءا وإلا لم يكونوا علماء عندهم خشية الله وعندهم إيمان عندهم تقوى
لكن المجاهدين والذين عندهم علم بالكتاب والسنة أكمل من غيرهم إيمانا وأعظم إيمانا
لما حصل في قلوبهم من الخير العظيم والخشية العظيمة التي حملتهم على أن علموا الناس الخير
وعملوا به وصدقوا أقوالهم بأعمالهم وحملتهم خشيتهم لله على البدار بالجهاد في سبيله
والصبر على تقديم أنفسهم للشهادة لأنهم يعلمون أن هذا طاعة لله ولرسوله.
قوله تعالى : وحملت الأرض والجبال قراءة العامة بتخفيف الميم ; أي رفعت من أماكنها .
" فدكتا " أي فتتا وكسرتا .
" دكة واحدة " لا يجوز في " دكة " إلا النصب لارتفاع الضمير في " دكتا " . وقال الفراء : لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة ، والأرض كالجملة الواحدة . ومثله : أن السموات والأرض كانتا رتقا ولم يقل كن . وهذا الدك كالزلزلة ; كما قال تعالى : إذا زلزلت الأرض زلزالها . وقيل : " دكتا " أي بسطتا بسطة واحدة ; ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره . وقد مضى في سورة " الأعراف " القول فيه . وقرأ عبد الحميد عن ابن عامر " وحملت الأرض والجبال " بالتشديد على إسناد الفعل إلى المفعول الثاني . كأنه في الأصل وحملت قدرتنا أو ملكا من ملائكتنا الأرض والجبال ; ثم أسند الفعل إلى المفعول الثاني فبني له . ولو جيء بالمفعول الأول لأسند الفعل إليه ; فكأنه قال : وحملت قدرتنا الأرض . وقد يجوز بناؤه للثاني على وجه القلب فيقال : حملت الأرض الملك ; كقولك : ألبس زيد الجبة ، وألبست الجبة زيدا .