بسم الله الرحمن الرحيم
وداعا بريدة ... فإنها دمعة فراق .
قبل ثلاثين عاما بدأت رحلتي معلما في قرية صغيرة وادعة أحببتها لكني غادرتها مرغما ، فحططت رحالي في عاصمة بلادي فألفتها ، وكنت أظن أني ألقيت عصا ترحالي بين لهيب ضجيجها وأتون ضوضائها ، لكن خيرة الله كانت خيرا لي ، فودعتها بعيد منتصف الثلاثين متوجها إلى مدرسة الإمام أبي حنيفة الابتدائية ببريدة ، وكنت أخاله مرورا عابرا فإذا هو يستمر خمسة عشر عاما ، أقطع كل يوم مئة كيلو متر غدوا ورواحا ، ليتحول المرور العابر إلى عشق يومي متجدد ، فسكنت هذه المدرسة جوانحي أحملها وأحلم بها ، أطرب لكل نجاح لها - وإن صغر - وأغتم إن نالها قصور أو عوز ، وفيها وبين جنباتها شرفت بمعرفة مئات الرجال - وإن قلت آلاقا فلا أبالغ - ، ولا تزال ذاكرتي - وستظل - تحتفظ بالكثير الكثير من مواقف هؤلا الرجال ووقفاتهم ، صغارهم كما كبارهم - وليس فيهم صغير -
تعلمت في بريدة أن الوفاء فعل مضارع لا اسما جامدا ، ومن أهل بريدة تعلمت أن الكرم ليس مجرد مأدبة تؤكل فتنسى ، بل الكرم موقف يخلد أو وقفة تبقى ويبقى أثرها ، هم أهل نخوة مع من عرفوا ، وأهل فزعة مع من لم يعرفوا - وعندي على ذلك ألف دليل ودليل ... وألف اسم واسم - ، وأهل بريدة - دون غيرهم - يملكون القدرة ويمتلكون القرار في تجاوز النظام - دون أن يخرقوه -، فالنظام قي ثقافتهم كائن حي يحاورونه فيغلبونه بالحجة والبرهان ، يعترفون بالفضل لأهله ولا ينكرون الجميل ، ألسنتهم هي بوصلة قلوبهم ، يجبرونك على محبتهم - وإن اختلفت معهم - ، يحبون النجاح لمدينتهم ويسعون إليه ولا يكرهونه لغيرهم ، يستنسخون تجارب الآخرين - بلا تكبر - فيحولونها إلى نجاح مبهر يحمل بصمتهم .
كنت دوما أتوجس من اللقاء وارتاب منه ؛ فلا لقاء في الدنيا إلا ويعقبه ألم وداع ودمعة فراق ، وهاهي اللحظة التي كنت أخشاها قد حان أوانها وحل موعدها ، فغدا يتراكض طلابي صوب مدرستهم .. يتسابقون نحو مقاعدهم ، يسبقهم الأمل ويسابقهم الفرح إلى مستقبل مشرق واعد - بإذن الله - ، تتعالى أصواتهم فلا تصل مسمعي - كما كل عام - ، لن استمع بعد اليوم إلى حكاياتهم البريئة ومغامراتهم في عطلتهم ، لن يستلموا كتبهم الدراسية مني - كما اعتادوا - ، سأفتقد صراخهم .. هذا يشكو .. وذاك يشتكي .. وثالث يتشكى ، لن يطرق أذني بعد اليوم إلا بقايا من صدى صخبهم الذي كان ينساب كأجمل لحن هادئ ، سيقتلني الشوق إلى خصوماتهم ومعاركهم التي تندلع على لا شيء وتنقشع سريعا دون خسائر ، سأعيش بقية عمري صمتا مخيفا لا عزاء له ولا سلوان إلا بقية ذكريات نحتتها الأيام على ذاكرة الزمن.
عذرا . فلئن أحببتكم فهذا ليس ذنبي فأنتم أجبرتموني على محبتكم .
عذرا . إن خذلني البيان عن التبيان ، فالمقام فاق المقام .
ولن أجد كلمة أصدق مما قاله أحد أبائكم ( مسكين ياللي ماله بريدة ) .
عذرا . وأنتم الكرام ومن شيم الكرام قبول الاعتذار .. عذرا . عن الخطأ - وإن فاق الصواب - .. عذرا . عن التقصير - وهو طبيعة البشر - ، فكم زل اللسان ، وكم ضغن القلب وحمل ، وكم صاب الجهد خور وكسل ، لكن الأمل لا يخيب في كريم أخلاقكم أخلاقكم بالصفح والمسامحة . ( فحللوني وأنتم بألف حل ) . فاللهم إني قد عفوت وسامحت كل من أخطأ بحقي ، فأبدل سيئته بحسنات مضاعفة فضلك واسع وجودك لا يحده حد . وقبل ذلك وبعده أرفع يدي صادقا متضرعا متوسلا راجيا مؤملا بعفو رب كريم جواد ، فاللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عني .
وكتبه / إبراهيم بن علي الخشان
عنيزة 21-12-1439